الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

339

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ولا يعصونه من الخير والثواب هو خير من كل ما في هذه الدنيا من خيرات . وفي هذا المقطع القرآني رد آخر على أولئك المنافقين ، حيث بين أن الموت آتيهم يوما لا محالة ، حتى إذا تحصنوا في قلاع عالية ومنيعة بحسب ظنهم ، وما دام الموت يدرك الإنسان بهذه الصورة أليس من الخير له أن يموت على طريق مثمر وصحيح كالجهاد ؟ ! ومما يلفت الانتباه أن القرآن الكريم يطلق في مواقع متعددة اسم " اليقين " على الموت ، كما في الآية ( 99 ) من سورة الحجر ، والآية ( 48 ) من سورة المدثر - ومعنى هذه العبارة القرآنية هو أن الإنسان مهما كانت عقيدته - يؤمن بوجود الموت إيمانا لا يخامره فيه شك مطلقا ، ومهما أنكر المرء من حقائق لا يستطيع إنكار الموت الذي يشهده بأم عينه أو يسمع عنه كل يوم ، والإنسان الذي يحب الحياة ويخال أن الموت هو الفناء الذي لا حياة بعده أبدا يخاف من ذكر الموت ويفر من مظاهره . الآيتان الأخيرتان تؤكدان حقيقة عدم جدوى الفرار من الموت ، فهو يدرك الإنسان يوما ما لا محالة ، وهو حقيقة قطعية يقينية في عالم الوجود . وعبارة يدرككم الواردة في الآية الأولى تعني الملاحقة ، واللاحق هو الموت الذي يدرك الإنسان ، وتوحي بأن الفرار لا ينقذ الإنسان من هذا المصير الحتمي . وتؤكد الحقيقة المذكورة الآية الثامنة من سورة الجمعة إذ تقول : قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم . إذن ليس من العقل والمنطق أن يدرك الإنسان هذه الحقيقة ويفر بعد ذلك من ميدان الجهاد ، ويحرم نفسه أشرف ميتة وهي الشهادة في سبيل الله ، فيموت على فراشه فلو عاش الإنسان بعد فراره من الجهاد أياما أو شهورا أو سنوات لتكرر ما فعل ولتكررت أمامه المشاهد الماضية ، فهل من العقل أن يحرم الإنسان نفسه