الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

340

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

لأجل هذه المتكررات من الثواب الأبدي الذي يناله المجاهد في سبيل الله ؟ ! وهنا أمر ثان يجب الانتباه له في الآية الأولى من هاتين الآيتين ، وهو عبارة بروج مشيدة ( 1 ) التي تؤكد أن الموت لا تحول دونه القلاع والحصون المنيعة العالية ، والسر في هذا الأمر هو أن الموت الطبيعي لا يداهم الإنسان من خارج وجوده - خلافا لما يتصورون - ولا يحتاج إلى اجتياز القلاع والحصون ، بل يأتي من داخل وجود الإنسان حيث تقف أجهزة الإنسان عن العمل بعد نفاذ قدرتها المحدودة على البقاء . نعم ، الموت غير الطبيعي يأتي الإنسان طبعا من خارج وجوده ، وبذلك قد تنفع القلاع والحصون في تأخير هذا النوع من الموت عنه . ولكن ماذا ستكون النهاية والنتيجة ؟ هل بمقدور القلاع والحصون أن تحول دون وصول الموت الطبيعي الذي سيدرك الإنسان - دون شك - في يوم من الإيام ؟ ! 3 من أين تأتي الانتصارات والهزائم ؟ يشير القرآن في هاتين الآيتين إلى وهم آخر من أوهام المنافقين ، حين يوضح أن هؤلاء إذا أحرزوا نصرا أو غنموا خيرا قالوا : إن الله هو الذي أنعم عليهم بذلك ، وزعموا أنهم أهل لهذه النعمة : وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله . أما إذا مني هؤلاء بهزيمة أو لحقهم أذى في ميدان القتال ، ألقوا اللوم على النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وافتروا عليه بقولهم إن ما نالهم من سوء هو من عنده ، متهمين خططه

--> 1 - " مشيدة " في الأصل من مادة " شيد " على وزن فيل ، بمعنى الجص والمواد الأخرى التي تستخدم لتقوية البنيان ، وبما أن أكثر المواد استعمالا في البناء في تلك الأزمنة هو الجص فان هذه الكلمة تطلق عليه عادة ، فيكون معنى " بروج مشيدة " هو القلاع الرصينة والمتينة ، وقد تستعمل ويراد بها المرتفعة والعالية . وذلك أيضا لنفس السبب لأنه من دون استخدام الجص لم يكن بالامكان بناء تلك الأبنية المرتفعة .