الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
329
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين ( 1 ) من الرجال والنساء والولدان . . . ولأجل إثارة المشاعر أكثر ، تنبه الآية المؤمنين بأن المستضعفين المذكورين لكثرة معاناتهم من البطش والإرهاب والاضطهاد قد انقطع أملهم في النجاة ويئسوا من كل عون خارجي ، فأخذوا يدعون الله لإخراجهم من ذلك المحيط الرهيب المشحون بأنواع البطش والرعب والظلم الفاحش : الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ويطلب المستضعفون من الله - أيضا - أن يرسل لهم من يتولى الدفاع عنهم وينجيهم من الظالمين بقولهم : واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا . الآية - في الواقع - نشير إلى أن الله قد استجاب دعاء المستضعفين ، فهذه الرسالة الإنسانية الكبرى قد أوكلت إليكم أنتم أيها المسلمون المخاطبون ، فقد أصبحتم أنتم " الولي " المرتقب وأنتم " النصير " من قبل الله تعالى لإنقاذ المستضعفين ، من هنا عليكم أن تنهضوا بهذه المسؤولية وتستثمروا هذه المكانة الكبرى المناطة إليكم ولا تضيعوها . والآية هذه يستفاد منها أيضا عدة أمور ، هي : 1 - إن الجهاد في سبيل الله وكما أشير إليه من قبل - ليس من أجل انتزاع الأموال والسلطة والثروات من أيدي الأخرين ، كما أنه لا يستهدف إيجاد أسواق لاستهلاك البضائع أو لفرض عقائد خاصة بالقوة ، بل أنه يستهدف نشر الفضيلة والإيمان والدفاع عن المظلومين والمضطهدين من النساء والرجال والولدان ، ومن هذا المنطلق يتضح أن للجهاد هدفين شاملين جامعين أشارت الآية إليهما ، أحدهما " رباني " ، وآخر " إنساني " يكمل أحدهما الآخر ، ولا ينفصلان ، بل
--> 1 - إن الفرق بين المستضعف والضعيف واضح وجلي ، فالضعيف هو من كان معدوم القدرة والقوة ، والمستضعف هو من أصابه الضعف بسبب ظلم وجور الآخرين ، سواء كان الاستضعاف فكريا أم ثقافيا أم كان أخلاقيا أو اقتصاديا أم سياسيا أم اجتماعيا ، فالعبارة هنا جامعة شاملة تستوعب جميع أنواع الاستضعاف .