الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
256
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وعصينا يعني بدل أن يقولوا " سمعنا وأطعنا " يقولون " سمعنا وعصينا " وهذا يشبه تماما كلام من يقول مستهزء : " منك الأمر ومنا عدم السماع " ، هذا والعبارات الأخرى في هذه الآية خير شاهد على هذا القول . ثم يشير إلى قسم آخر من أحاديثهم العدائية المزيجة بروح التحدي والصلافة حيث يقول : إنهم يقولون : واسمع غير مسمع وبهذا الطريق يتوسل هذا الفريق للحفاظ على جماعة من المغفلين ، - مضافا إلى سلاح تحريف الحقائق والخيانة في إبلاغ الكتب السماوية التي كانت تشكل الوسيلة الحقيقية لنجاة ذلك الفريق وشعبهم من مخالب الطغاة الظلمة مثل فرعون - يتوسلون بسلاح الاستهزاء والسخرية الذي هو سلاح الأنانيين والمغرورين ووسيلة العتاة والمعاندين ، وربما استخدموا مضافا إلى كل ذلك عبارات كان المسلمون المخلصون يرددونها أمام رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مع تغييرات في معانيها تكميلا لاستهزائهم وسخريتهم ، مثل جملة " راعنا " التي معناها " تفقدنا وأمهلنا " وكان المسلمون الصادقون في صدر الإسلام ومطلع الدعوة المحمدية يرددونها أمام النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ليتمكنوا من سماع صوت النبي وكلامه بنحو أفضل ، ولكن هذا الفريق من اليهود كانوا يتوسلون بهذه الجملة لإيذاء النبي ويسيئون استخدامها ويكررونها أمام النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهم يقصدون منها معناها العبري الذي هو " سمعنا غير مسمع " أو " أسمعنا لا سمعت " أو معناه العربي الآخر ، وهو ما يرجع إلى الرعونة ( 1 ) الذي يعني الحمق ، قصدا منهم إلى أن عمل النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان - والعياذ بالله - خداع الناس واستغلال سذاجتهم . وقد كان هذا كله بهدف إزاحة الحقائق عن محورها الأصلي بألسنتهم
--> 1 - راعنا إذا أخذت مشتقة من مادة الرعي تكون بمعنى فعل الطلب من المراعاة والمراقبة ، وبمعنى أمهلنا ، وإذا أخذت مشتقة من الرعونة تكون بمعنى " أخدعنا واجعلنا حمقاء عندك " ، يقولون ذلك على سبيل الاستهزاء والسب ، ولابد من الالتفات إلى أن راعنا على الوجه الأول تكون بدون تشديد النون ، وعلى الوجه الثاني بتشديد النون ، ويستفاد من جملة من الروايات أن اليهود كانوا يتعمدون تشديد النون في راعنا ومد آخرها .