الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
172
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
إلا أن هذا النوع من الزواج إذا لم يسبب أية مشكلة لدى الأقرباء البعيدين ( كما هو الغالب ) فإنه لا شك يسبب مضاعفات خطيرة لدى الأقرباء القريبين الذين تشتد عندهم ظاهرة وحدة الدم وتشابهه . هذا مضافا إلى ضعف الرغبة الجنسية والتجاذب الجنسي لدى المحارم عادة ، لأن المحارم - في الأغلب - يكبرون معا ، ويشبون معا ، ولهذا لا ينطوي الزواج فيما بينهم على عنصر المفاجأة وصفة العلاقة الجديدة ، لأنهم تعودوا على التعامل فيما بينهم ، فلا يكون أحدهم جديدا على الآخر ، بل العلاقة لديهم علاقة عادية ورتيبة ، ولا يمكن أن يكون بعض الموارد النادرة مقياسا لانتزاع القوانين الكلية العامة أو سببا لنقض مضاداتها ، ونحن نعلم أن التجاذب الجنسي شرط أساسي لدوام العلاقة الزوجية واستمرار الرابطة العائلية ، ولهذا إذا تم التزواج بين المحارم فإن الرابطة الزوجية الناشئة من هذا الزواج ستكون رابطة ضعيفة مهزوزة وقصيرة العمر . وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة يشير الله سبحانه في هذه الآية إلى المحارم الرضاعية والقرآن وإن اقتصر في هذا المقام على الإشارة إلى طائفتين من المحارم الرضاعية ، وهي الأم الرضاعية والأخت الرضاعية فقط ، إلا أن المحارم الرضاعية - كما يستفاد من روايات عديدة - لا تنحصر في من ذكر في هذه الآية ، بل تحرم بالرضاعة كل من يحرمن من النساء بسبب " النسب " كما يصرح بذلك الحديث المشهور المروي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " ( 1 ) . على أن بيان مقدار الرضاع الموجب للحرمة والشروط والكيفية المعتبرة فيه ، وغير ذلك من التفاصيل والخصوصيات متروك للكتب الفقهية . وفلسفة حرمة الزواج بالمحارم الرضاعية هي ، أن نشوء ونبات لحم المرتضع
--> 1 - من لا يحضره الفقيه ، ج 2 ، ص 155 ، وغيره .