الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
155
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
إن كلمة الجهل وما يشتق منها وإن كانت لها معان مختلفة ، ولكن يستفاد من القرائن أن المراد منها في الآية المبحوثة هنا هو طغيان الغرائز ، وسيطرة الأهواء الجامحة وغلبتها على صوت العقل والإيمان ، وفي هذه الصورة وإن لم يفقد المرء العلم بالمعصية ، إلا أنه حينما يقع تحت تأثير الغرائز الجامحة ، ينتفي دور العلم ويفقد مفعوله وأثره ، وفقدان العلم لأثره مساو للجهل عملا . وأما إذا لم يكن الذنب عن جهل وغفلة ، بل كان عن إنكار لحكم الله سبحانه وعناد وعداء ، فإن ارتكاب مثل هذا الذنب ينبئ عن الكفر ، ولهذا لا تقبل التوبة منه ، إلا أن يتخلى عن عناده وعدائه وإنكاره وتمرده . وفي الحقيقة إن هذه الآية تبين نفس الحقيقة التي يذكرها الإمام السجاد ( عليه السلام ) في دعاء أبي حمزة ببيان أوضح إذ يقول : " إلهي لم أعصك حين عصيتك وأنا بربوبيتك جاحد ولا بأمرك مستخف ، ولا لعقوبتك متعرض ، ولا لوعيدك متهاون ، لكن خطيئة عرضت وسولت لي نفسي وغلبني هواي " . ثم إن الله سبحانه يشير إلى شرط آخر من شروط قبول التوبة إذ يقول : ثم يتوبون من قريب . هذا وقد وقع كلام بين المفسرين في المراد من " قريب " فقد ذهب كثيرون إلى أن معناه التوبة قبل أن تظهر آثار الموت وطلائعه ، ويستشهدون لهذا الرأي بقوله تعالى : وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت الذي جاء في مطلع الآية اللاحقة ، ويشير إلى أن التوبة لا تقبل إذ ظهرت علامات الموت . ولعل استعمال لفظة " قريب " إنما هو لأجل أن نهاية الحياة الدنيوية مهما بعدت فهي قريبة . ولكن بعض المفسرين ذهب إلى تفسير لفظة " من قريب " بالزمان القريب من وقت حصول المعصية ، فيكون المعنى أن يتوبوا فورا ، ويندموا على ما فعلوه