الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
156
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
بسرعة ، ويتوبوا إلى الله ، لأن التوبة الكاملة هي التي تغسل آثار الجريمة وتزيل رواسبها من الجسم والروح بشكل مطلق حتى لا يبقى أي أثر منه في القلب ، ولا يمكن هذا إلا إذا تاب الإنسان وندم قبل أن تتجذر المعصية في كيانها ، وتتعمق آثارها في وجوده فتكون له طبيعة ثانية ، إذ في غير هذه الصورة ستبقى آثار المعصية في زوايا الروح الإنسانية ، وتعشعش في خلايا قلبه ، فالتوبة الكاملة - إذن - هي التي تتحقق عقيب وقوع الذنب في أقرب وقت ، ولفظة " قريب " أنسب مع هذا المعنى من حيث اللغة والفهم العرفي . صحيح أن التوبة التي تقع بعد زمن طويل من ارتكاب المعصية تقبل أيضا ، إلا أنها ليست التوبة الكاملة ، ولعل التعبير بجملة " على الله " ( أي على الله قبولها ) كذلك إشارة إلى هذا المعنى ، لأن مثل هذا التعبير لم يرد في غير هذا المورد من القرآن الكريم ، ومفهومه هو أن قبول التوبة القريبة من زمن المعصية حق من حقوق العباد ، في حين ان قبول التوبة البعيدة عن زمن المعصية تفضل من الله وليس حقا . ثم أنه سبحانه - بعد ذكر شرائط التوبة - يقول : فأولئك يتوب عليهم وكان الله عليما حكيما مشيرا بذلك إلى نتيجة التوبة التي توفرت فيها الشروط المذكورة . ثم يقول تعالى : وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كافر . . . وهو إشارة إلى من لا تقبل توبته . وعلة عدم قبول هذا النوع من التوبة واضحة ، لأن الإنسان عند الاحتضار في رحاب الموت تنكشف له الأستار ، فيرى ما لم يكن يراه من قبل ، فهو يرى بعد انكشاف الغطاء عن عينيه بعض الحقائق المتعلقة بالعالم الآخر ، ويشاهد بعينيه نتائج أعماله التي ارتكبها في هذه الدنيا ، وتتخذ القضايا التي كان يسمع بها صفة