الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

127

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

جهوده وثمرة أتعابه ، وهذا هو حكم فطري . وعلى هذا ، فعندما يمتنع أن يتصرف الشخص في أمواله بعد وفاته ويحال بينه وبين ثروته بسبب الموت ، تصبح هذه الأموال من حق أقرب الناس إليه ، والذين يعتبرون - في الحقيقة - بشخصيتهم ووجودهم امتدادا لشخصيته ووجوده . على هذا الأساس نجد الكثيرين لا يتركون الكد والعمل ، والكسب والتجارة حتى آخر لحظة من حياتهم رغم ما يملكون من ثراء طائل ، وذلك لبغية أن يوفروا لأبنائهم مستقبلا زاهرا ويقيموا لهم حياة سعيدة بعدهم ، وهذا يعني أن الإرث وقانون التوريث قادر على إعطاء العجلة الاقتصادية دفعة قوية ويزيد من حركتها ودورانها ونشاطها ، وأما إذا عرف الشخص أن أمواله بعد موته ، وامتناع تصرفه في تلك الأموال بسبب الوفاة تعود إلى الملكية العامة ، فإنه قد يفقد قسطا كبيرا من نشاطه الاقتصادي ، ويصاب بالفتور والكسل . ويشهد بهذا الأمر ما وقع في فرنسا قبل حين ، عندما أقدم مجلس النواب الفرنسي - كما قيل - على إلغاء قانون الإرث قبل مدة وأقر بدل ذلك إلحاق أموال الأشخاص بعد موتهم إلى خزانة الدولة ، وصيرورتها أموالا عامة ، فتؤخذ من قبل الدولة وتصرف في المصارف العامة بحيث لا يحصل ورثة الميت على أي شئ من التركة ، فكان لهذا القانون أثر سئ وظاهر على الحركة الاقتصادية ، فقد لوحظ اختلال كبير في أوضاع التصدير والاستيراد ، كما خف النشاط الاقتصادي هناك بشكل ملحوظ ، فأقلق ذلك بال الحكومة ، وكان السبب الوحيد وراء هذه الحالة هو " إلغاء قانون الإرث " مما دفع بالدولة إلى إعادة النظر في هذا القرار . وعلى هذا لا يمكن إنكار أن قانون الإرث ومبدأ التوريث مضافا إلى كونه قانونا طبيعيا فطريا ، له أثر قوي وعميق في تنشيط الحركة الاقتصادية .