مؤسسة آل البيت ( ع )

38

مجلة تراثنا

إن الفيلسوف الإغريقي ( أبيقور ) هو أول من عرف في تأريخ الفلسفة بهذا الاعتقاد ، والشراح كانت لهم آراء مختلفة حول فكرة اللذة في فلسفة ( أبيقور ) ، فمنهم من يعتقد بأنه لا يعني باللذة إلا اللذة الطبيعية التي يحصل عليها الإنسان بواسط قواه المادية ، وكل واحد منا يعلم أن فلسفة ( أبيقور ) تؤدي إلى هذا الذي فهمه الشراح - بوصف الأشياء التي تؤسس الحياة العادية الطبيعية البسيطة - الذي يحرم الإنسان من كل عنصر من الكمال والقيم الكريمة التي ترفعه من ال‍ ( أنا ) العادية إلى الأسمى ، إلى ال‍ ( أنا ) الإنسانية عندما يصبح قادرا على التعرف على الحق والارتقاء إليه ، هذا الارتقاء الكامل في إنسانيته . هذه القيم الكريمة هي التي بذل الأنبياء والفلاسفة والعباقرة معظم جهودهم لتثبيتها ونشرها بين أفراد هذا الجنس الكبير الذي نسميه الإنسان . ولأجل تثبيت هذه القيم السامية في المجتمعات الإنسانية حفل تأريخ البشر بأكرم الضحايا من شهداء الفضيلة . وإن تفسير اللذة في معناها الجسمي الصرف وجعلها أعلى الأغراض للحياة ، ليبدل الإنسان - الذي يحب الكمال حبا عميقا ويميل إلى الانجذاب نحو العالم اللاهوتي - بحيوان يعبد اللذة ويخضع لعواملها وبواعثها . فكان من الطبيعي أن يهتم الفلاسفة برد هذه الفكرة الرديئة ، لكونها أكبر العراقيل في طريق النهوض الإنساني . وبهذه الفكرة الخسيسة فإن ( أبيقور ) قد أتى لحياة الإنسان بأقوى العوامل التي تهبط بأماثل الإنسان من مراتبهم العليا ، وهو في هذه الفكرة يشبه ( نيقولا ميكافيللي ) في فكرته حول القدرة على عصيان أصحاب الاقتدار والجبابرة ، إلى حد أنه يبرر أي وسيلة من أجل المقاصد السياسية دون أي عناية بأصول وقيم الإنسان الكريمة . إن سوء الفهم لهذين المبحثين ( اللذة والقدرة ) الذي شوهد في المجتمعات الإنسانية طوال العصور كان أشد العوامل إيلاما وإزعاجا . وأما الفكرة الثانية فتقول : إن ( أبيقور ) وتابعيه الذين هم مدافعون عن أصالة اللذة لا يعنون تلك الظاهرة العامة التي تستنفذ الحياة بمرورها على العواطف ، مخلفة وراءها الآلام والأحزان ، ولا شئ - بالمرة - باقيا منها في أعماق النفس للنفس ، إلا