مؤسسة آل البيت ( ع )

39

مجلة تراثنا

ظلالا وأشباحا ، حينما يرجع الإنسان إلى ذكراها في أيامه الآتية بعد انقضاء اللذة ، تولد هذه الذكرى حزنا وكآبة . ولكن ( أبيقور ) يعمم مفاهيم اللذة إلى حد أنها تشمل عنده اللذات العقلية التي يكون إنجازها بسعي وكدح لإحراز الدرجات العليا في الحياة المعقولة ، ففي هذا المدلول الشامل تكون أصالة اللذة بأهميتها الأساسية في واقع الحياة فوق الانتقاد والرفض . وإن الشارحين لفكرة المدرسة البوذية بإنكارهم اللذة في حياة هذا العالم لم يعنوا نقض ذاك المعنى الشامل المستوعب للذة الجسمية ، بل تنكر هذه المدرسة الفكرية في الواقع الأهواء والميل ، مضحية بها تجاه الأصول العقلية . وأما بهذا التفسير الذي يبرئ المعتقد في اللذة من لوم التنازل عن قيم الإنسانية الكريمة . وتبقي مسألة جديرة بالذكر هي أن اللذة مع مدلولها العقلي أيضا لا تمكننا بجعلها أسمى المقاصد وأعلاها في الحياة الإنسانية ، رغما عن كونها عنصرا ذات قدرة كبيرة جدا ، ورغم أن لنشاطها موقعا مهما في طبيعة الإنسان الجسمية والروحانية كالإحساس بالألم الضار بالحياة ، الذي هو عنصر نشيط في وجود الإنسان ، إذ أنه حام قوي يقف حارسا للحياة من الخلل في أنظمتها المنسقة . هذا التفسير لفكرة اللذة يجعلها عاملا للدفاع في كل شؤون الإنسان المادية والروحانية ، وأنا أعتقد أن تعبيرنا هذا عن أصالة اللذة هو - بالمقارنة - أقرب التعبيرات لما يريده الفلاسفة الكبار في فلسفاتهم الإيجابية مثل المدرستين : الإشراقية والرواقية وما قد ظهر في العصور الوسطى وفي العصر الحديث حول اللذة والألم وسعة صلاتهما مع نواة حياتنا . لقد ذكر ( بنتام ) في كتابه ( أصول القوانين ) المناقشات القيمة التي تعمم مفهومي اللذة والألم إلى ما يشمل كل اللذات والآلام العقيلة والروحانية ( 1 ) . ولا يوجد دليل يبرر لوم من يعتقد في أصالة اللذة فيقصرها على التمتعات والاستجمامات الجسمية البحتة .

--> ( 1 ) أصول القوانين ، بنتام ، ص 33 - 40 .