الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

56

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

" الكدح " : - على وزن مدح - السعي والعناء الذي يخلق أثرا على الجسم والروح ، ويقال : ثور فيه كدوح ، أي آثار من شدة السعي . وجاء في ( تفسير الكشاف ) و ( روح المعاني ) و ( تفسير الفخر الرازي ) : الكدح : جهد النفس في العمل والكد فيه حتى يؤثر فيها ، من كدح جلده : إذا خدشه . والآية تشير إلى أصل أساسي في الحياة البشرية ، فالحياة دوما ممزوجة بالتعب والعناء ، وإن كان الهدف منها الوصول إلى متاع الدنيا ، فكيف والحال إذا كان الهدف منها هو الوصول إلى رضوان الله ونيل حسن مآب الآخرة ؟ ! فالحياة الدنيا قد جبلت على المشقة والتعب والألم ، حتى لمن يرفل بأعلى درجات الرفاه المادي . وما ذكر " لقاء الله " في الآية إلا لتبيان أن حالة التعب والعناء والكدح حالة مستمرة إلى اليوم الموعود ، ولا يتوقف إلا بانتهاء عجلة حياة الدنيا ، ولا فرق في توجيه معنى " اللقاء " سواء كان لقاء يوم القيامة والوصول إلى عرصة حاكمية الله المطلقة ، أو بمعنى لقاء جزاء الله من عقاب أو ثواب ، أو بمعنى لقاء ذاته المقدسة عن طريق الشهود الباطني . نعم ، فراحة الدنيا لا تخلو من تعب ، والراحة الحقة . . هناك ، حيث ينعم الإنسان بين فيافي جنان الخلد . وكان نداء الآية مخاطبا عموم " الإنسان " ، ليشير إلينا بأن الله عز وجل قد وضع القدرة والقوة اللازمة لهذه الحركة الإلهية المستمرة في وجود وتكوين هذا المخلوق ، والذي جعل من أشرف المخلوقات قاطبة . واستعمال كلمة " رب " فيه إشارة إلى ثمة ارتباط ما بين سعي وكدح الإنسان من جهة وذلك البرنامج التربوي الذي أعده الخالق لمخلوقه في عملية توجيه الإنسان نحو الكمال المطلق من جهة أخرى .