الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
396
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
هجومها كان مباغتا خاطفا بحيث استطاعت خلال لحظات أن تشق صفوف العدو وتشن حملتها في قلبه ، وتشتت جمعه . وهذا نتيجة ما تتحلى به من سرعة ويقظة واستعداد وشهامة وشجاعة . أو إنها إشارة إلى ورود الحجاج من المشعر إلى قلب منى . وقيل إن المقصود محاصرة الأعداء . وهذا يصح لو كان الفعل " فوسطن " بتشديد السين ، والقراءة المشهورة ليست كذلك . فالصحيح هو المعنى الأول . نستخلص مما سبق أن القسم في الآيات بهذه الخيول التي هي أولا تسرع إلى ميدان الجهاد بنفس شديد ، ثم تزيد سرعتها حتى يتطاير الشرر من تحت حوافرها فيشق عتمة الليل . . . وبعدها تقترب من منطقة العدو ، فتباغته ، وعند انبلاج عتمة الليل تشن هجوما شديدا يثير الغبار في كل جانب ، ثم تتوغل إلى قلب العدو وتشتت صفوفه . القسم إذن - بهذه الخيول المقتدرة ! . . . بفرسانها الشجعان ! . . . بأنفاس مركب المجاهدين ! . . . بشرارات النيران المتطايرة من تحت حوافرها ! . . . بذلك الهجوم المباغت ! . . . بذرات الغبار المنتشرة في الفضاء ! . . . بدخولها قلب صفوف الأعداء وتحقيق النصر الحاسم عليهم ! هذه التعابير - وإن لم ترد كلها صراحة في الآيات - فهي مجموعة كلها في الدلالات الضمنية للكلام . من هنا يتضح أن الجهاد له منزلة عظيمة حتى أن أنفاس خيل المجاهدين استحقت أن يقسم بها . . . وهكذا الشرر المتطاير من حوافر هذه الخيول . . . والغبار الذي تثيره في الجو . . . نعم حتى غبار ساحة الجهاد له قيمة وعظمة . وقيل : أن المقصود بهذه الأقسام قد يكون النفوس التي تستطيع أن تنقل كمالها إلى الآخرين ، وتقدح شرارة العلم بأفكارها ، وتهجم على أهوائها النفسية ، وتثير الشوق الإلهي في نفسها ونفوس الآخرين ، وتستقر أخيرا في قلب سكنة