الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
362
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
جملة فيها كتب قيمة إشارة إلى أن ما في هذه الصحف السماوية خال من الانحراف والاعوجاج . من هنا فإن هذه " الكتب " تعني المكتوبات ، أو تعني الأحكام والتشريعات المنصوصة من الله ، لأن الكتابة جاءت بمعنى تعيين الحكم أيضا ، كقوله تعالى : كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ( 1 ) . وبهذا يكون معنى " قيمة " السوية والمستقيمة ، أو الثابتة والمستحكمة ، أو ذات قيمة ، أو كل هذه المعاني مجتمعة . ويحتمل أيضا أن يكون المعنى هو أن القرآن فيه الكتب السماوية القيمة السابقة لأنه يضم جميع محتوياتها وزيادة . ويلفت النظر تقدم ذكر أهل الكتاب على المشركين في الآية الأولى ، والاقتصار على ذكر أهل الكتاب في الآية الرابعة دون ذكر المشركين ، بينما الآية تريد الاثنين . وهذا يعود ظاهرا إلى أن أهل الكتاب كانوا هم الرواد في هذه المواقف ، وكان المشركون تابعين لهم . أو لأن أهل الكتاب كانوا أهلا لذم أكثر لما عندهم من علماء كثيرين ، وبذلك كانوا ذا مستوى أرفع من المشركين . معارضتهم - إذن - أفظع وأبشع وتستحق مزيدا من التقريع . ثم يتوالى التقريع لأهل الكتاب ، ومن بعدهم للمشركين ، لأنهم اختلفوا في الدين الجديد ، منهم مؤمن ومنهم كافر ، بينما : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ( 2 ) .
--> 1 - البقرة ، الآية 183 . 2 - جملة " وما أمروا " قد تكون حالية أو استثنائية . واللام في " ليعبدوا " لام الغرض ، والمقصود هنا الغرض الذي يعود على العباد ، لا الغرض الذي يعود على الله كما تصور بعض المفسرين وأدى بهم هذا التصور إلى إنكار " لام الغرض " في مثل هذه المواضع . كل أفعال الله معللة بالأغراض ، لكنها أغراض تعود على العباد . بعضهم اعتبر اللام هنا بمعنى " أن " كما في قوله تعالى : يريد الله ليبين لكم النساء ، الآية 26 .