الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
345
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
والإنزال له مفهوم واسع يشمل النزول الدفعي أيضا ( 1 ) . وهذا التفاوت في التعبير القرآني قد يكون إشارة إلى النزولين المذكورين . في الآيتين التاليتين يبين الله تعالى عظمة ليلة القدر ويقول سبحانه : وما أدراك ما ليلة القدر . ليلة القدر خير من ألف شهر . والتعبير هذا يوضح أن عظمة ليلة القدر كبيرة إلى درجة خفيت على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أيضا قبل نزول هذه الآيات ، مع ما له من علم واسع . و " ألف شهر " تعني أكثر من ثمانين عاما ، حقا ما أعظم هذه الليلة التي تساوي قيمتها عمرا طويلا مباركا . وجاء في بعض التفاسير أن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر ، فعجب المسلمون من ذلك فأنزل الله إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر ، التي لبس فيها ذلك الرجل السلاح في سبيل الله ألف شهر ( 2 ) . وروي أن أربعة أشخاص من بني إسرائيل عبدوا الله تعالى ثمانين سنة من دون ذنب ، فتمنى الصحابة ذلك التوفيق لهم ، فنزلت الآية المذكورة . وهل العدد ( ألف ) في الآية للعد أو التكثير ؟ : ، قيل إنه للتكثير ، وقيمة ليلة القدر خير من آلاف الأشهر أيضا ، ولكن الروايات أعلاه تبين أن العدد المذكور للعد ، والعدد عادة للعد إلا إذا توفرت قرينة واضحة تصرفه إلى التكثير . ولمزيد من وصف هذه الليلة تقول الآية التالية : تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر . و " تنزل " فعل مضارع يدل على الاستمرار ( والأصل تتنزل ) مما يدل على أن
--> 1 - مفردات الراغب ، مادة نزل . 2 - الدر المنثور ، ج 8 ، ص 568 .