الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

329

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

أن رآه استغنى ( 1 ) . هذه طبيعة أغلب أفراد البشر . . . الأفراد الذين لم يتربوا في مدرسة العقل والوحي ، حين يرون أنفسهم مستغنين غير محتاجين يعمدون إلى الطغيان ، وينسلخون من عبودية الله ، ويرفضون الاعتراف بأحكامه ، ويصمون أذانهم عن ندائه ، ولا يراعون حقا ولا عدلا . لا الإنسان ولا أي مخلوق آخر قادر على أن يستغني ، بل كل الموجودات الممكنة بحاجة إلى لطف الله ونعمه ، وإذا انقطع فيضه سبحانه عنها لحظة واحدة ، ففي هذه اللحظة بالذات تفنى بأجمعها ، غير أن الإنسان يحس خطأ أحيانا أنه مستغن غير محتاج . والقرآن يشير إلى هذا الإحساس بعبارة دقيقة يقول : أن رآه استغنى لم يقل أن استغنى . قيل : إن المقصود بالإنسان في الآية أبو جهل الذي كان يطغى أمام الدعوة لكن مفهوم الإنسان هنا عام ، وأمثال أبي جهل مصاديق له . يبدو أن الهدف من الآية الفات نظر الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بمنعطفات الطبيعة البشرية كي لا يتوقع قولا سريعا من الناس لدعوته ، وليعد نفسه لإنكار المنكرين ومعارضة الطغاة المستكبرين ، وليعلم أن الطريق أمامه وعر ملئ بالمصاعب . ثم يأتي التهديد لهؤلاء الطغاة المستكبرين وتقول الآية التالية : إن إلى ربك الرجعي وهو الذي يعاقب الطغاة على ما اقترفوه ، وكما إن رجوع كل شئ إليه ، وميراث السماوات والأرض له سبحانه : ولله ميراث السماوات والأرض ( 2 ) فكل شئ في البداية منه ، ولا مبرر للإنسان أن يشعر بالاستغناء ويطغى .

--> 1 - جملة " أن رآه استغنى " مفعول لأجله ، والتقدير : لأن . . . والرؤية هنا بمعنى العلم ولذا نصبت مفعولين ، ويحتمل أيضا أن تكون الرؤية هنا حسية . و " استغنى " تكون عندئذ بمثابة الحال . 2 - آل عمران ، الآية 180 .