الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
224
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ثم إن غمط حقوق اليتامى في ذلك العصر خاصة على يد الأقرباء استدعى التحذير من هذه العقبة بالذات . وذهب " أبو الفتوح الرازي " إلى أن " المقربة " ليست من القرابة ، بل من " القرب " إشارة إلى التصاق بطون الجياع من شدة الجوع ( 1 ) . ونستبعد كثيرا هذا المعنى في تفسير الآية . 5 - " المتربة " مصدر ميمي من " ترب " ، وساكن التراب من شدة فقره هو ذو المتربة ، والتأكيد على هذا النمط من المساكين لأولويتهم أيضا ، إذ إطعام أي مسكين عمل مستحسن . وروي أن الإمام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) إذا أكل أتى بصحفة فتوضع قرب مائدته ، فيعمد إلى أطيب الطعام مما يؤتى به فيأخذ من كل شئ شيئا فيضع في تلك الصفحة ثم يأمر بها للمساكين ، ثم يتلو هذه الآية : فلا اقتحم العقبة ثم يقول : " علم الله عز وجل أنه ليس كل إنسان يقدر على عتق رقبة فجعل لهم السبيل إلى الجنة " ( 2 ) . ثم تواصل الآية التالية بيان طبيعة هذه العقبة ، وسبل اجتيازها فتقول : ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة . فالقادرون على اجتياز هذه العقبة متحلون بالإيمان ومتواصون بالصبر والاستقامة على الطريق ، ومتواصون بالرحمة والعطف . وبهذا السياق القرآني لبيان طبيعة العقبة نفهم أن القادرين على اجتيازها هم المتحلون بالإيمان والخلق الكريم كالتواصي بالصبر والرحمة ، وذوو أعمال البر والإحسان كتحرير العبيد وإطعام الأيتام والمساكين ، إنهم بعبارة أولئك الذين يلجون ميادين الإيمان والأخلاق والعمل ويخرجون منها ظافرين منتصرين .
--> 1 - تفسير أبي الفتوح الرازي ، ج 12 ، ص 96 . 2 - تفسير الميزان ، ج 20 ، ص 295 ، نقلا عن الكافي .