الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
225
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
العطف بالحرف " ثم " لا يعني دائما التأخير الزمني ، أي لا يعني أن عملية الإطعام والإنفاق يجب أن تتقدم على الإيمان ، بل إن هذا الحرف في مثل هذه الموارد - كما صرح بذلك جمع من المفسرين - لبيان علو المرتبة ، إذ من المؤكد أن رتبة الإيمان والتوصية بالصبر والمرحلة أسمى وأعلى من مساعدة المحتاجين ، بل الأعمال الصالحة تنبثق من ذلك الإيمان وتلك الأخلاق ، وكل ما يفعله الإنسان تجد جذوره في معتقداته وأخلاقياته . واحتمل بعضهم أن " ثم " تفيد هنا التأخير الزمني ، لأن أعمال الخير قد تكون منطلقا للتوجه نحو الإيمان ، وهي بخاصة ذات تأثير في ترسيخ دعائم الأخلاق ، إذ أن أخلاق الإنسان تبدأ بشكل " فعل " ثم تتحول إلى " حالة " ثم تتحول إلى " عادة " ثم تصبح " ملكة " . والتعبير بكلمة " تواصوا " وتعني تبادل التوصية ، لها دلالة اجتماعية هامة ، هي إن عملية التواصي بالسير على طريق الحق وبالاستقامة على طاعة الله ومكافحة جموح الأهواء النفسية ، وبالحب والرحمة ليست عملية فردية يل يجب أن يتخذ طابعا اجتماعيا عاما في كل المجتمع الإيماني ، وكل الأفراد مسؤولون أن يوصي بعضهم الآخر بحفظ هذه الأصول . وعن هذا الطريق أيضا تتعمق عرى التلاحم والاجتماعي . وقال بعضهم إن " الصبر " في الآية إشارة إلى توطين النفس على طاعة الله والاهتمام بأوامره ، و " المرحمة " إشارة إلى علاقة الود مع الناس ، ونعلم أن أساس الدين هو تنظيم هذه الرابطة بين العبد وربه ، وبين الإنسان وأخيه الإنسان . وفي خاتمة هذه الأوصاف تذكر السورة مكانة المتحلين بها فتقول : أولئك أصحاب الميمنة . فصحيفة أعمالهم تسلم إليهم ، في محضر الله سبحانه وتعالى ، بيدهم اليمنى . ويحتمل أن تكون " الميمنة " من " اليمن " والبركة ، أي إن أصحاب هذه