الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

194

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وجاء تكرار " دكا " في الآية للتأكيد . وعموما ، فالآية تشير إلى الزلازل والحوادث المرعبة التي تعلن عن نهاية الدنيا وبداية يوم القيامة ، حيث تتلاشي الجبال وتستوي الأرض ، كما أشارت لذلك الآيات ( 106 - 108 ) من سورة طه : ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا . وبعد أن ينتهي مرحلة القيامة الأولى ( مرحلة الدمار ) ، تأتي المرحلة الثانية ، حيث يعود الناس ثانية للحياة ليحضروا في ساحة العدل الإلهي : وجاء ربك والملك صفا صفا . نعم ، فسيقف الجميع في ذلك المحشر لإجراء الأمر الإلهي وتحقيق العدالة الربانية ، وقد بينت لنا الآيات ما لعظمة ذلك اليوم ، وكيف أن الإنسان لا سبيل له حينها إلا الرضوخ التام بين قبضة العدل الإلهي . وجاء ربك : كناية عن حضور الأمر الإلهي لمحاسبة الخلائق ، أو أن المراد : ظهور آيات عظمة الله سبحانه وتعالى ، أو ظهور معرفة الله عز وجل في ذلك اليوم ، بشكل بحيث لا يمكن لأي كان إنكاره ، وكأن الجميع ينظرون إليه بأم أعينهم . وبلا شك ، إن حضور الله بمعناه الحقيقي المستلزم للتجسيم والتحديد بالمكان ، هذا المعنى ليس هو المراد ، لأن سبحانه وتعالى مبرأ من الجسمية وخواص الجسمية ( 1 ) . وقد ورد هذا المعنى في كلام للإمام علي بن موسى الرضا ( عليهما السلام ) ( 2 ) . كما وتؤيد الآية ( 33 ) من سورة النحل هذا التفسير بقولها : هل ينظرون إلا

--> 1 - يقول الفخر الرازي في تفسيره : إن في الآية محذوف ، تقديره ( أمر ) أو ( قهر ) أو ( جلائل آيات ) أو ( ظهور ومعرفة ) . . وظهرت هذه التقديرات في كتب غيره من المفسرين أيضا ، وخصوصا التقدير الأول . 2 - راجع تفسير الميزان ، ج 20 ، ص 416 .