مؤسسة آل البيت ( ع )
25
مجلة تراثنا
نبيه - عند أناس متطهرين من الإثم والذنب ، مصونين عن الزلل والخطأ ، قد أحاطوا بمحكم القرآن ومتشابهه ، ومجمله ومفصله ، وناسخه ومنسوخه ، وعامه وخاصه ، ومطلقه ومقيده ، بل بدلالاته وتنبيهاته ، ورموزه وإشاراته التي لا يهتدي إليها إلا من شملته العناية الإلهية ، وعمته الفيوض الربانية . كما وأحاطوا بسنة نبيهم ، وشوارد أقواله ، ووجوه أفعاله ، وألوان تقريره وإقراره . فالتحق - صلى الله عليه وآله - بالرفيق الأعلى والحال هذه ، أي أن العلم بحقائق الكتاب ومتون سنته مخزون عند جماعة خاصة ، قد عرفهم بصفاتهم وخصوصياتهم تارة ، وأسمائهم وأعدادهم تارة أخرى كما سيوافيك . ولو أن الأمة الإسلامية رجعوا في مجال العقائد والمعارف ، وموارد الأحكام والوظائف إلى هذه الثلة ، لأوقفوهم على كل غرة لائحة ، وحجة واضحة ، وقول مبين ، وبرهان متين ، واستغنوا بذلك عن كل قول ليس له أصل في كتاب الله وسنة رسوله ، ولمسوا اكتمال الدين في مجالي العقيدة والشريعة بأوضح شكل . فحديث اكتمال الدين وكمال الشريعة في جميع مجالاتها أمر لا غبار عليه ، ولكن الخلاف والنقاش حدث في أسس الإسلام وفروعه لأجل الاستقلال في فهم الذكر الحكيم ، وجمع سنة الرسول من دون أن يرجعوا إلى من عنده رموز الكتاب وإشاراته ، ودلائله وتنبيهاته ، فهم وراث الكتاب ( 1 ) وترجمان السنة ، فافترقوا - لأجل هذا الإعراض - إلى فرق كثيرة ومناهج متكثرة . إن الاستقلال في فهم المعارف والأصول واستنباط الفروع ، ألجأ القوم إلى القول بالقياس والاستحسان ، وتشييد قواعد ومقاييس ظنية كسد الذرائع والمصالح المرسلة ، وغيرها من الأمور التي ما أنزل الله بها من سلطان ، وذلك لأنهم واجهوا من جانب اكتمال الدين من حيث الفروع والأصول ، بحيث لا يمكن إنكاره حسب الآيات والأحاديث ، ومن جانب آخر واجهوا الحاجات والحوادث المتجددة التي لم يجدوا لها دليلا ، لا في الكتاب ولا في السنة ، فلاذوا إلى العمل بهذه المقاييس حتى يسدوا الفراغ ، ويبرئوا الشريعة الإسلامية عن وصمة النقص . قال ابن رشد مستدلا على حجية القياس : إن الوقائع بين أشخاص الأناس غير متناهية ، والنصوص والأفعال والاقرارات ( أي تقرير النبي ) متناهية ، ومحال أن يقابل
--> ( 1 ) إشارة إلى قوله سبحانه : ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) الفاطر - 32