القرطبي
98
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الحجة : ما تكلمت بشئ ، وما نطقت بشئ ، فسمي من يتكلم بلا حجة فيه له غير متكلم . وقال : قوم : ذلك اليوم طويل ، وله مواطن ومواقف في بعضها يمنعون من الكلام ، وفي بعضها يطلق لهم الكلام ، فهذا يدل على أنه لا تتكلم نفس إلا بإذنه . ( فمنهم شقي وسعيد ) أي من الأنفس ، أو من الناس ، وقد ذكرهم قوله : " يوم مجموع له الناس " . والشقي الذي كتبت عليه الشقاوة . والسعيد الذي كتبت عليه السعادة ، قال لبيد : فمنهم سعيد آخذ بنصيبه * ومنهم شقي بالمعيشة قانع وروى الترمذي عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب قال لما نزلت هذه الآية " فمنهم شقي وسعيد " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا نبي الله فعلام نعمل ؟ على شئ قد فرغ منه ، أو على شئ لم يفرغ منه ؟ فقال : " بل على شئ قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر ولكن كل ميسر لما خلق له " . قال : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن عمر ، وقد تقدم في " الأعراف " ( 1 ) . قوله تعالى : ( فأما الذين شقوا ) ابتداء . ( ففي النار ) في موضع الخبر ، وكذا ( لهم فيها زفير وشهيق ) قال أبو العالية : الزفير من الصدر . والشهيق من الحلق ، وعنه أيضا ضد ذلك . وقال الزجاج : الزفير من شدة الأنين ، والشهيق من الأنين المرتفع جدا ، قال : وزعم أهل اللغة من الكوفيين والبصريين أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمير في النهيق ، والشهيق بمنزلة [ آخر ] صوت الحمار في النهيق . وقال ابن عباس رضي الله عنه عكسه ، قال : الزفير الصوت الشديد ، والشهيق الصوت الضعيف . وقال الضحاك ومقاتل : الزفير مثل أول نهيق الحمار ، والشهيق مثل آخره حين فرغ من صوته ، قال الشاعر ( 2 ) : حشرج في الجوف سحيلا ( 3 ) أو شهق * حتى يقال ناهق وما نهق وقيل : الزفير إخراج النفس ، وهو أن يمتلئ الجوف غما فيخرج بالنفس ، والشهيق رد النفس وقيل : الزفير ترديد النفس من شدة الحزن ، مأخوذ من الزفر وهو الحمل على الظهر لشدته ،
--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 314 . ( 2 ) هو العجاج والبيت من قصيدة له يصف فيها المفازة مطلعها : قاتم الأعماق خاوي المخترق * مشتبه الأعلام لماع الخفق ( 3 ) في ع : في الصدر ، والسحيل : الصوت الذي يطور في صدر الحمار .