القرطبي
99
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
والشهيق النفس الطويل الممتد ، مأخوذ من قولهم : جبل شاهق ، أي طويل ( 1 ) . والزفير والشهيق من أصوات المحزونين . قوله تعالى : ( خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ) " ما دامت " في موضع نصب على الظرف ، أي دوام السماوات والأرض ، والتقدير : وقت ذلك . واختلف في تأويل هذا ، فقالت . طائفة منهم الضحاك : المعنى ما دامت سماوات الجنة والنار وأرضهما والسماء كل ما علاك فأظلك ، والأرض ما استقر عليه قدمك ، وفي التنزيل : " وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء " ( 2 ) [ الزمر : 74 ] . وقيل : أراد به السماء والأرض المعهودتين في الدنيا وأجرى ذلك على عادة العرب في الإخبار . عن دوام الشئ وتأبيده ، كقولهم : لا آتيك ما جن ليل ، أو سال سيل ، وما اختلف الليل والنهار ، وما ناح الحمام ، وما دامت السماوات والأرض ، ونحو هذا مما يريدون به طولا من غير نهاية ، فأفهمهم الله تخليد الكفرة بذلك . وإن كان قد أخبر بزوال السماوات والأرض . وعن ابن عباس أن جميع الأشياء المخلوقة أصلها من نور العرش ، وأن السماوات والأرض في الآخرة تردان إلى النور الذي أخذتا منه ، فهما دائمتان أبدا في نور العرش . قوله تعالى : ( إلا ما شاء ربك ) في موضع نصب ، لأنه استثناء ليس من الأول ، وقد اختلف فيه على أقوال عشرة : الأولى - أنه استثناء من قوله : " ففي النار " كأنه قال : إلا ما شاء ربك من تأخير قوم عن ذلك ، وهذا قول رواه أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري وجابر رضي الله عنهما . وإنما لم يقل من شاء ، لأن المراد العدد لا الأشخاص ، كقوله : " ما طاب لكم " ( 3 ) [ النساء : 3 ] . وعن أبي نضرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " إلا من شاء ألا يدخلهم وإن شقوا بالمعصية " . الثاني - أن الاستثناء إنما هو للعصاة من المؤمنين في إخراجهم بعد مدة من النار ، وعلى هذا يكون قوله : " فأما الذين شقوا " عاما في الكفرة والعصاة ، ويكون الاستثناء من " خالدين " ، قاله قتادة والضحاك وأبو سنان وغيرهم . وفي الصحيح من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يدخل ناس
--> ( 1 ) قال في النهاية : شاهق عال . ( 2 ) راجع ج 15 ص 274 . ( 3 ) راجع ج 5 ص 12 .