القرطبي

40

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

بطئ القيام رخيم الكلأ * م أمسى فؤادي به فاتنا أي مفتونا . وقال أخر ( 1 ) : دع المكارم لا تنهض لبغيتها * واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي أي المطعوم المكسو . قال النحاس : ومن أحسن ما قيل فيه أن تكون " من " في موضع رفع ، بمعنى لا يعصم اليوم من أمر الله إلا الراحم ، أي إلا الله . وهذا اختيار الطبري . ويحسن هذا أنك لم تجعل عاصما بمعنى معصوم فتخرجه من بابه ، ولا " إنه " بمعنى " لكن " . ( وحال بينهما الموج ) يعنى بين نوح وابنه . ( فكان من المغرقين ) قيل : إنه كان راكبا على فرس قد بطر بنفسه ، وأعجب بها ، فلما رأى الماء جاء قال : يا أبت فار التنور ، فقال له أبوه : " يا بني اركب معنا " فما استتم المراجعة حتى جاءت موجة عظيمة فالتقمته هو وفرسه ، وحيل بينه وبين نوح فغرق . وقيل : إنه اتخذ لنفسه بيتا من زجاج يتحصن فيه من الماء ، فلما فار التنور دخل فيه وأقفله ( 2 ) عليه من داخل ، فلم يزل يتغوط فيه ويبول حتى غرق بذلك . وقيل : إن الجبل الذي أوى إليه " طور سيناء " . قوله تعالى : ( وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي ) هذا مجاز لأنها موات . وقيل : جعل فيها ما تميز به . والذي قال إنه مجاز قال : لو فتش كلام العرب والعجم ما وجد فيه مثل هذه الآية على حسن نظمها ، وبلاغة رصفها ، واشتمال المعاني فيها . وفي الأثر : إن الله تعالى لا يخلي الأرض من مطر عام أو عامين ، وأنه ما نزل من السماء ماء قط إلا بحفظ ملك موكل به إلا ما كان من ماء الطوفان ، فإنه خرج منه ما لا يحفظه الملك . وذلك قوله تعالى : " إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية " ( 3 ) [ الحاقة : 11 ] فجرت بهم السفينة إلى أن تناهى الأمر ، فأمر الله الماء المنهمر من السماء بالإمساك ، وأمر الله الأرض بالابتلاع . ويقال : بلع الماء يبلعه مثل منع يمنع وبلع يبلع مثل حمد ويحمد ، لغتان حكاهما الكسائي والفراء . والبالوعة

--> ( 1 ) البيت للحطيئة يهجو الزبرقان . ( 2 ) في ع : أغلقه . ( 3 ) راجع ج 18 ص 262 .