القرطبي

41

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الموضع الذي يشرب الماء . قال ابن العربي : التقى الماءان على أمر قد قدر ، ما كان في الأرض وما نزل من السماء ، فأمر الله ما نزل من السماء بالإقلاع ، فلم تمتص الأرض منه قطرة ، وأمر الأرض بابتلاع ما خرج منها فقط . وذلك قوله تعالى : " وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء " وقيل : ميز الله بين الماءين ، فما كان من ماء الأرض أمرها فبلعته ( 1 ) ، وصار ماء السماء بحارا . قوله تعالى : ( وغيض الماء ) أي نقص ( 2 ) ، يقال : غاض الشئ وغضته أنا ، كما يقال : نقص بنفسه ونقصه غيره ، ويجوز " غيض " بضم الغين ( 3 ) . ( وقضى الأمر ) أي أحكم وفرغ منه ، يعني أهلك قوم نوح على تمام وإحكام . ويقال : إن الله تعالى أعقم أرحامهم أي أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة ، فلم يكن فيمن هلك صغير . والصحيح أنه أهلك الولدان بالطوفان ، كما هلكت الطير والسباع . ولم يكن الغرق عقوبة للصبيان والبهائم والطير ، بل ماتوا بآجالهم . وحكي أنه لما كثر الماء في السكك خشيت أم صبي عليه ، وكانت تحبه حبا شديدا ، فخرجت به إلى الجبل ، حتى بلغت ثلثه ، فلما بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثيه ، فلما بلغها الماء استوت على الجبل ، فلما بلغ الماء رقبتها رفعت يديها بابنها حتى ذهب بها الماء ، فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي . قوله تعالى : ( واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين ) أي هلاكا لهم . الجودي جبل بقرب الموصل ، استوت عليه في العاشر من المحرم يوم عاشوراء ، فصام نوح وأمر جميع من معه من الناس والوحش والطير والدواب وغيرها فصاموه ، شكرا لله تعالى ، وقد تقدم هذا المعنى . وقيل : كان ذلك يوم الجمعة . وروي أن الله تعالى أوحى إلى الجبال أن السفينة ترسي على واحد منها فتطاولت ، وبقي الجودي لم يتطاول تواضعا لله ، فاستوت السفينة عليه : وبقيت عليه أعوادها . وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لقد بقي منها شئ أدركه أوائل هذه الأمة " . وقال مجاهد : تشامخت الجبال وتطاولت لئلا ينالها

--> ( 1 ) في ع : فابتلعته . ( 2 ) في المصباح : غاض : نضب أي ذهب في الأرض . ( 3 ) أي باشمام الكسرة الضم .