القرطبي

340

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

البقاء في نعيمها على النعيم في الآخرة ، وصد عن سبيل الله - أي صرف الناس عنه وهو دين الله ، الذي جاءت به الرسل ، في قول ابن عباس وغيره - فهو داخل في هذه الآية ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون " وهو حديث صحيح . وما أكثر ما هم في هذه الأزمان ، والله المستعان . وقيل : " يستحبون " أي يلتمسون الدنيا من غير وجهها ، لأن نعمة الله لا تلتمس إلا بطاعته دون معصيته . ( ويبغونها عوجا ) أي يطلبون لها زيغا وميلا لموافقة أهوائهم ، وقضاء حاجاتهم وأغراضهم . والسبيل تذكر وتؤنث . والعوج بكسر العين في الدين والأمر والأرضي ، وفي كل ما لم يكن قائما ، وبفتح العين في كل ما كان قائما ، كالحائط والرمح ونحوه ، وقد تقدم في " آل عمران " وغيرها . ( أولئك في ضلال بعيد ) أي ذهاب عن الحق بعيد عنه . قوله تعالى : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدى من يشاء وهو العزيز الحكيم ( 4 ) قوله تعالى : ( وما أرسلنا من رسول ) أي قبلك يا محمد ( إلا بلسان قومه ) أي بلغتهم ، ليبينوا لهم أمر دينهم ، ووحد اللسان وإن أضافه إلى القوم لأن المراد اللغة ، فهي اسم جنس يقع على القليل والكثير ، ولا حجة للعجم وغيرهم في هذه الآية ، لأن كل من ترجم له ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ترجمة يفهمها لزمته الحجة ، وقد قال الله تعالى : " وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا " ( 2 ) [ سبأ : 28 ] . وقال صلى الله عليه وسلم : " أرسل كل نبي إلى أمته بلسانها وأرسلني الله إلى كل أحمر وأسود من خلقه " . وقال صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار " . خرجه مسلم ، وقد تقدم . ( فيضل الله من يشاء ويهدى من يشاء ) رد على القدرية في نفوذ المشيئة ، وهو مستأنف ، وليس بمعطوف على

--> ( 1 ) راجع ج 4 ص 154 . ( 2 ) راجع ج 14 ص 300 .