القرطبي

2

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

و " القارعة " [ القارعة : 1 ] ، ففي تلاوة هذه السور ما يكشف لقلوب العارفين سلطانه وبطشه فتذهل منه النفوس ، وتشيب منه الرؤوس . [ قلت ] ( 1 ) وقد قيل : إن الذي شيب النبي صلى الله عليه وسلم من سورة " هود " قول : " فاستقم كما أمرت " ( 2 ) [ هود : 112 ] على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى . وقال يزيد بن أبان : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامي فقرأت عليه سورة " هود " فلما ختمتها قال : ( يا يزيد هذه القراءة فأين البكاء ) . قال علماؤنا : قال أبو جعفر النحاس : يقال هذه هود فاعلم بغير تنوين على أنه اسم للسورة ، لأنك لو سميت امرأة بزيد . لم تصرف ، وهذا قول الخليل وسيبويه . وعيسي ابن عمر يقول : هذه هود بالتنوين على أنه اسم للسورة ، وكذا إن سمى امرأة بزيد ، لأنه لما سكن وسطه خف فصرف ، فإن أردت الحذف صرفت على قول الجميع ، فقلت : هذه هود وأنت تريد سورة هود ، قال سيبويه : والدليل على هذا أنك تقول هذه الرحمن ، فلولا أنك تريد هذه سورة الرحمن ما قلت هذه . قوله تعالى : الر كتب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ( 1 ) ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير ( 2 ) وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير ( 3 ) إلى الله مرجعكم وهو على كل شئ قدير ( 4 ) قوله تعالى : ( الر ) . تقدم القول فيه ( 3 ) . ( كتاب ) بمعنى هذا كتاب . ( أحكمت آياته ) في موضع رفع نعت لكتاب . وأحسن ما قيل في معنى " أحكمت آياته " قول قتادة ، أي جعلت محكمة كلها لا خلل فيها ولا باطل . والإحكام منع القول من الفساد ، أي نظمت نظما محكما لا يلحقها تناقض ولا خلل . وقال ابن عباس : أي لم ينسخها كتاب ، بخلاف التوراة والإنجيل . وعلى هذا المعنى ، أحكم بعض آياته بأن جعل ناسخا غير منسوخ . وقد تقدم القول فيه .

--> ( 1 ) من ع . ( 2 ) راجع ص 107 من هذا الجزء . ( 3 ) راجع ج 8 ص 304 . ( 4 ) راجع ج 4 ص 10 .