القرطبي

297

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

العامريان يريدان النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد جالس في نفر من أصحابه ، فدخلا المسجد ، فاستشرف الناس لجمال عامر وكان أعور ، وكان من أجمل الناس ، فقال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : هذا يا رسول الله عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك ، فقال : " دعه فإن يرد الله به خيرا يهده " فأقبل حتى قام عليه فقال ، يا محمد مالي إن أسلمت ؟ فقال : " لك ما للمسلمين وعليك ما على المسلمين " . قال : أتجعل لي الأمر من بعدك ؟ قال : " ليس ذاك إلي إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء " . قال : أفتجعلني على الوبر وأنت على المدر ؟ قال : " لا " . قال : فما تجعل لي ؟ قال : " أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها في سبيل الله " . قال : أوليس لي أعنة الخيل اليوم ؟ قم معي أكلمك ، فقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان عامر أومأ إلى أربد : إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه واضربه بالسيف ، فجعل يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم ويراجعه ، فاخترط أربد من سيفه شبرا ثم حبسه الله ، فلم يقدر على سله ، ويبست يده على سيفه ، وأرسل الله عليه صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته ، وولى عامر هاربا وقال : يا محمد ! دعوت ربك على أربد حتى قتلته ، والله لأملأنها عليك خيلا جردا ، وفتيانا مردا ، فقال عليه السلام : " يمنعك الله من ذلك وأبناء قيلة " يعني الأوس والخزرج ، فنزل عامر بيت امرأة سلولية ، وأصبح وهو يقول : والله لئن أصحر ( 1 ) لي محمد وصاحبه - يريد ملك الموت - لأنفذتهما برمحي ، فأرسل الله ملكا فلطمه بجناحه فأذراه ( 2 ) في التراب ، وخرجت على ركبته غدة عظيمة في الوقت ، فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول : غدة كغدة البعير ، وموت في بيت سلولية ، ثم ركب على فرسه فمات على ظهره . ورثى لبيد بن ربيعة أخاه أربد فقال : يا عين هلا بكيت أربد إذ قمنا * وقام الخصوم في كبد ( 3 ) أخشى على أربد الحتوف ولا * أرهب نوء السماك والأسد فجعني الرعد والصواعق بالفارس * يوم الكريهة النجد ( 4 )

--> ( 1 ) أصحر الرجل : إذا خرج إلى الصحراء . ( 2 ) أذراه : قلعه ورمى به . ( 3 ) كبد : شدة وعناء . ( 4 ) النجد : السريع الإجابة .