القرطبي

27

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

من عباده ، وأنه لا يعلم الغيب ، لأن الغيب لا يعلمه إلا الله عز وجل . ( ولا أقول إني ملك ) أي لا أقول إن منزلتي عند الناس منزلة الملائكة . وقد قالت العلماء : الفائدة في الكلام الدلالة على أن الملائكة أفضل من الأنبياء ، لدوامهم على الطاعة ، واتصال عباداتهم إلى يوم القيامة ، صلوات الله عليهم أجمعين . وقد تقدم هذا المعنى في " البقرة " ( 1 ) . ( ولا أقول للذين تزدري أعينكم ) أي تستثقل وتحتقر أعينكم ، والأصل تزدريهم حذفت الهاء والميم لطول الاسم . والدال مبدلة من تاء ، لأن الأصل في تزدري تزتري ، ولكن التاء تبدل بعد الزاي دالا ، لأن الزاي مجهورة والتاء مهموسة ، فأبدل من التاء حرف مجهور من مخرجها . ويقال : أزريت عليه إذا عبته . وزريت عليه إذا حقرته . وأنشد الفراء : يباعده الصديق وتزدريه * حليلته وينهره الصغير ( لن يؤتيهم الله من خيرا ) أي ليس لاحتقاركم لهم تبطل أجورهم ، أو ينقص ثوابهم . ( الله أعلم بما في أنفسهم ) فيجازيهم عليه ويؤاخذهم به . ( إني إذا لمن الظالمين ) أي إن قلت هذا الذي تقدم ذكره . و " إذا " ملغاة ، لأنها متوسطة . قوله تعالى : قالوا ينوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ( 32 ) قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين ( 33 ) ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون ( 34 ) أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلى إجرامي وأنا برئ مما تجرمون قوله تعالى : ( قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ) أي خاصمتنا فأكثرت خصومتنا وبالغت فيها . والجدل في كلام العرب المبالغة في الخصومة ، مشتق من الجدل

--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 189 وما بعدها .