القرطبي
28
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وهو شدة الفتل ، ويقال للصقر أيضا أجدل لشدته في الطير ، وقد مضى هذا المعنى في " الأنعام " ( 1 ) بأشبع من هذا . وقرأ ابن عباس " فأكثرت جدالنا " ذكره النحاس . والجدل في الدين محمود ، ولهذا جادل نوج والأنبياء قومهم حتى يظهر الحق ، فمن قبله أنجح وأفلح ، ومن رده خاب وخسر . وأما الجدال لغير الحق حتى يظهر الباطل في صورة الحق فمذموم ، وصاحبه في الدارين ملوم . ( فأتنا بما تعدنا ) أي من العذاب . ( إن كنت من الصادقين ) في قولك . قوله تعالى : ( قال إنما يأتيكم به الله إن شاء ) أي إن أراد إهلاككم عذبكم . ( وما أنتم بمعجزين ) أي بفائتين . وقيل : بغالبين بكثرتكم ، لأنهم أعجبوا بذلك ، كانوا ملئوا الأرض سهلا وجبلا على ما يأتي . قوله تعالى : ( ولا ينفعكم نصحي ) أي إبلاغي واجتهادي في إيمانكم . ( إن أردت أن أنصح لكم ) أي لأنكم لا تقبلون نصحا ، وقد تقدم في " براءة " ( 2 ) معنى النصح لغة . ( إن كان الله يريد أن يغويكم ) أي يضلكم . وهذا مما يدل على بطلان مذهب المعتزلة والقدرية ومن وافقهما ، إذ زعموا أن الله تعالى لا يريد أن يعصي العاصي ، ولا يكفر الكافر ، ولا يغوي الغاوي ، وأن يفعل ذلك ، والله لا يريد ذلك ، فرد الله عليهم بقوله : " إن كان الله يريد أن يغويكم " . وقد مضى هذا المعنى في " الفاتحة " ( 3 ) وغيرها . وقد أكذبوا شيخهم اللعين إبليس على ما بيناه في " الأعراف " في إغواء الله تعالى إياه حيث قال : " فبما أغويتني " [ الأعراف : 16 ] ولا محيص لهم عن قول نوح عليه السلام : " إن كان الله يريد أن يغويكم " فأضاف إغواءهم إلى الله سبحانه وتعالى ، إذ هو الهادي والمضل ، سبحانه عما يقول الجاحدون والظالمون علوا كبيرا . وقيل : " أن يغويكم " يهلككم ، لأن الإضلال يفضي إلى الهلاك . الطبري : " يغويكم " يهلككم بعذابه ، حكي عن طئ أصبح فلان غاويا أي مريضا ، وأغويته أهلكته ، ومنه " فسوف يلقون غيا " ( 4 ) [ مريم : 59 ] . ( هو ربكم ) فإليه الإغواء ، وإليه الهداية . ( وإليه ترجعون ) تهديد ووعيد .
--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 77 وص 174 . ( 2 ) راجع ج 8 ص 226 فما بعد . ( 3 ) راجع ج 1 ص 149 . وج 4 ص 20 . ( 4 ) راجع ج 11 ص 125 .