القرطبي

227

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أدخلته العين القبر ، وكم من جمل ظهير أدخلته القدر ، لكن ذلك بمشيئة الله تعالى كما قال : " وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله " ( 1 ) [ البقرة : 102 ] . قال الأصمعي : رأيت رجلا عيونا سمع بقرة تحلب فأعجبه شخبها فقال : أيتهن هذه ؟ فقالوا : الفلانية لبقرة أخرى يورون عنها ، فهلكتا جميعا ، المورى بها والمورى عنها . قال الأصمعي . وسمعته يقول : إذا رأيت الشئ يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني . الثالثة - واجب على كل مسلم أعجبه شئ أن يبرك ، فإنه إذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة ، ألا ترى قوله عليه السلام لعامر : " ألا بركت " فدل على أن العين لا تضر ولا تعدو إذا برك العائن ، وأنها إنما تعدو إذا لم يبرك . والتبريك أن يقول : تبارك الله أحسن الخالقين ! اللهم بارك فيه . الرابعة - العائن إذا أصاب بعينه ولم يبرك فإنه يؤمر بالاغتسال ، ويجبر على ذلك إن أباه ، لأن الأمر على الوجوب ، لا سيما هذا ( 2 ) ، فإنه قد يخاف على المعين الهلاك ، ولا ينبغي لأحد أن يمنع أخاه ما ينتفع به أخوه ولا يضره هو ، ولا سيما إذا كان بسببه وكان الجاني عليه . الخامسة - من عرف بالإصابة بالعين منع من مداخلة الناس دفعا لضرره ، وقد قال بعض العلماء : يأمره الإمام بلزوم بيته ، وإن كان فقيرا رزقه ما يقوم به ، ويكف أذاه عن الناس . وقد قيل : إنه ينفى ، وحديث مالك الذي ذكرناه يرد هذه الأقوال ، فإنه عليه السلام لم يأمر في عامر بحبس ولا بنفي ، بل قد يكون الرجل الصالح عائنا ، وأنه لا يقدح فيه ولا يفسق به ، ومن قال : يحبس ويؤمر بلزوم بيته . فذلك احتياط ودفع ضرر ، والله أعلم . السادسة - روى مالك عن حميد بن قيس المكي أنه قال : دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بابني جعفر بن أبي طالب فقال لحاضنتهما : " ما لي أراهما ضارعين " ( 3 ) فقالت حاضنتهما : يا رسول الله ! إنه تسرع إليهما العين ، ولم يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أنا لا ندري ما يوافقك من ذلك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " استرقوا لهما فإنه

--> ( 1 ) راجع ج 2 ص 55 . ( 2 ) في ع وك وى : هنا . ( 3 ) الضارع : النحيف الضاوى الجسم .