القرطبي

219

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

المخصبة ، فجعل أهل مصر يبتاعون الطعام من يوسف ، فباعهم أول سنة بالنقود ، حتى لم يبق بمصر دينار ولا درهم إلا قبضه ، وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجواهر ، حتى لم يبق في أيدي الناس منها شئ ، وباعهم في السنة الثالثة بالمواشي والدواب ، حتى احتوى عليها أجمع ، وباعهم في السنة الرابعة بالعبيد والإماء ، حتى احتوى على الكل ، وباعهم في السنة الخامسة بالعقار والضياع ، حتى ملكها كلها ، وباعهم في السنة السادسة بأولادهم ونسائهم فاسترقهم جميعا وباعهم في السنة السابعة برقابهم ، حتى لم يبق [ في السنة السابعة ] بمصر حر ولا عبد إلا صار عبدا له ، فقال الناس : والله ما رأينا ملكا أجل ولا أعظم من هذا ، فقال يوسف لملك مصر : كيف رأيت صنع ربي فيما خولني ! والآن كل هذا لك ، فما ترى فيه ؟ فقال : فوضت إليك الأمر فافعل ما شئت ، وإنما نحن لك تبع ، وما أنا بالذي يستنكف عن عبادتك وطاعتك ، ولا أنا إلا من بعض مماليكك ، وخول من خولك ، فقال يوسف عليه السلام : إني لم أعتقهم من الجوع لأستعبدهم ، ولم أجرهم من البلاء لأكون عليهم بلاء ، وإني أشهد الله وأشهدك أني أعتقت أهل مصر عن آخرهم ، ورددت عليهم أموالهم وأملاكهم ، ورددت عليك ملكك بشرط أن تستن بسنتي . ويروى أن يوسف عليه السلام كان لا يشبع من طعام في تلك السنين ، فقيل له : أتجوع وبيدك خزائن الأرض ؟ فقال : إني أخاف إن شبعت أن أنسى الجائع ، وأمر يوسف طباخ الملك أن يجعل غذاءه نصف النهار ، حتى يذوق الملك طعم الجوع . فلا ينسى الجائعين ، فمن ثم جعل الملوك غذاءهم نصف النهار . قوله تعالى : ( نصيب برحمتنا من نشاء ) أي بإحساننا ، والرحمة النعمة والإحسان . ( ولا نضيع أجر المحسنين ) أي ثوابهم . وقال ابن عباس ووهب : يعني الصابرين ، لصبره في الجب ، وفي الرق ، وفي السجن ، وصبره عن محارم الله عما دعته إليه المرأة . وقال الماوردي : واختلف فيما أوتيه يوسف من هذه الحال على قولين : أحدهما - أنه ثواب من الله تعالى على ما ابتلاه . الثاني - أنه أنعم الله عليه بذلك تفضلا منه عليه ، وثوابه باق على حاله في الآخرة .

--> ( 1 ) من ع .