القرطبي

220

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( ولأجر الآخرة خير ) أي ما نعطيه في الآخرة خير وأكثر مما أعطيناه في الدنيا ، لأن أجر الآخرة دائم ، وأجر الدنيا ينقطع ، وظاهر الآية العموم في كل مؤمن متق ، وأنشدوا : أما في رسول الله يوسف أسوة * لمثلك محبوسا على الظلم والإفك أقام جميل الصبر في الحبس برهة * فآل به الصبر الجميل إلى الملك وكتب بعضهم إلى صديق له : وراء مضيق الخوف متسع الأمن * وأول مفروح به آخر الحزن فلا تيئسن فالله ملك يوسفا * خزائنه بعد الخلاص من السجن وأنشد بعضهم : إذا الحادثات بلغن النهي * وكادت تذوب لهن المهج وحل البلاء وقل العزاء * فعند التناهي يكون الفرج والشعر في هذا المعنى كثير . قوله تعالى : وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون ( 58 ) قوله تعالى : ( وجاء إخوة يوسف ) أي جاءوا إلى مصر لما أصابهم القحط ليمتاروا ، وهذا من اختصار القرآن المعجز . قال ابن عباس وغيره : لما أصاب الناس القحط والشدة ، ونزل ذلك بأرض كنعان بعث يعقوب عليه السلام ولده للميرة ، وذاع أمر يوسف عليه السلام في الآفاق ، للينه وقربه ورحمته ورأفته وعدله وسيرته ، وكان يوسف عليه السلام حين نزلت الشدة بالناس يجلس [ للناس ] ( 1 ) عند البيع بنفسه ، فيعطيهم من الطعام على عدد رؤوسهم ، لكل رأس وسقا ( 2 ) . ( وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم ) يوسف ( وهم له منكرون ) لأنهم خلفوه صبيا ، ولم يتوهموا أنه بعد العبودية يبلغ إلى تلك الحال من المملكة ، مع طول المدة ، وهي أربعون سنة . وقيل : أنكروه لأنهم اعتقدوا أنه ملك كافر : وقيل : رأوه لابس حرير ، وفي عنقه طوق ذهب ، وعلى رأسه تاج ، وقد تزيا بزي فرعون مصر ، ويوسف

--> ( 1 ) من ع وك وو وى . ( 2 ) الوسق ستون صاعا ، والأصل في الوسق الحمل .