القرطبي
204
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون ( 48 ) فيه مسئلتان : الأولى - قوله تعالى : ( سبع شداد ) يعني السنين المجدبات . ( يأكلن ) مجاز ، والمعنى يأكل أهلهن . ( ما قدمتم لهن ) أي ما ادخرتم لأجلهن ، ونحوه قول القائل : نهارك يا مغرور سهو وغفلة * وليلك نوم والردى لك لازم والنهار لا يسهو ، والليل لا ينام ، وإنما يسهى في النهار ، وينام في الليل . وحكى زيد بن أسلم عن أبيه : أن يوسف كان يضع طعام الاثنين فيقربه إلى رجل واحد فيأكل بعضه ، حتى إذا كان يوم قربه له فأكله كله ، فقال يوسف : هذا أول يوم من السبع الشداد . ( إلا قليلا ) نصب على الاستثناء . ( مما تحصنون ) أي مما تحبسون لتزرعوا ، لأن في استبقاء البذر تحصين الأقوات . وقال أبو عبيدة : تحرزون . وقال قتادة : " تحصنون " تدخرون ، والمعنى واحد ، وهو يدل على جواز احتكار الطعام إلى وقت الحاجة ( 1 ) . الثانية - هذه الآية أصل في صحة رؤيا الكافر ، وأنها تخرج على حسب ما رأى ، لا سيما إذا تعلقت بمؤمن ، فكيف إذا كانت آية لنبي . ومعجزة لرسول ، وتصديقا لمصطفى للتبليغ ، وحجة للواسطة بين الله - جل جلال - [ وبين ] ( 2 ) عباده . قوله تعالى : ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه ويعصرون ( 49 ) قوله تعالى : ( ثم يأتي من بعد ذلك عام ) هذا خبر من يوسف عليه السلام عما لم يكن في رؤيا الملك ، ولكنه من علم الغيب الذي آتاه الله . قال قتادة : زاده الله علم سنة لم يسألوه
--> ( 1 ) هذا فيه نظر إن كان المراد الغلاء ، لما روى عنه عليه الصلاة والسلام " من احتكر حكرة يريد أن يغلى بها على المسلمين فهو خاطئ وقد برئت منه ذمة الله ورسوله " رواه أحمد والحاكم عن أبي هريرة في روايات في النهى عن الاحتكار . ( 2 ) من ع .