القرطبي

154

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

بن خلف ، قال النحاس . والمعنى في نداء البشرى : التبشير لمن حضر ، وهو أوكد من قولك تبشرت ، كما تقول : يا عجباه ! أي يا عجب هذا من أيامك ومن آياتك ، فاحضر ، وهذا مذهب سيبويه ، وكذا قال السهيلي . وقيل : هو كما تقول : وا سروراه ! وأن البشرى مصدر من الاستبشار : وهذا أصح ، لأنه لو كان اسما علما لم يكن مضافا إلى ضمير المتكلم ، وعلى هذا يكون " بشراي " في موضع نصب ، لأنه نداء مضاف ، ومعنى النداء هاهنا التنبيه ، أي انتبهوا لفرحتي وسروري ، وعلى قول السدي يكون في موضع رفع كما تقول : يا زيد هذا غلام . ويجوز أن يكون محله نصبا كقولك : يا رجلا ، وقوله : " يا حسرة على العباد " ( 1 ) [ يس : 30 ] ولكنه لم ينون " بشرى " لأنه لا ينصرف . ( وأسروه بضاعة ) الهاء كناية عن يوسف عليه السلام ، فأما الواو فكناية عن إخوته . وقيل : عن التجار الذين اشتروه ، وقيل : عن الوارد وأصحابه . " بضاعة " نصب على الحال . قال مجاهد : أسره مالك بن دعر وأصحابه من التجار الذين معهم في الرفقة ، وقالوا لهم : هو بضاعة استبضعناها بعض أهل الشام أو أهل هذا الماء إلى مصر ، وإنما قالوا هذا خيفة الشركة . وقال ابن عباس : أسره إخوة يوسف بضاعة لما استخرج من الجب ، وذلك أنهم جاءوا فقالوا : بئس ما صنعتم ! هذا عبد لنا أبق ، وقالوا ليوسف بالعبرانية : إما أن تقر لنا بالعبودية فنبيعك من هؤلاء ، وإما أن نأخذك فنقتلك ، فقال : أنا أقر لكم بالعبودية ، فأقر لهم فباعوه منهم . وقيل : إن يهوذا وصى أخاه يوسف بلسانهم أن اعترف لإخوتك بالعبودية فإني أخشى إن لم تفعل قتلوك ، فلعل الله أن يجعل لك مخرجا ، وتنجو من القتل ، فكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته ، فقال مالك : والله ما هذه سمة العبيد ! ، قالوا : هو تربى في حجورنا ، وتخلق بأخلاقنا ، وتأدب بآدابنا ، فقال : ما تقول يا غلام ؟ قال : صدقوا ! تربيت في حجورهم ، وتخلقت بأخلاقهم ، فقال مالك : إن بعتموه مني اشتريته ( 2 ) منكم ، فباعوه منه ، فذلك : قوله تعالى : وشروه بثمن بخس درهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين ( 20 )

--> ( 1 ) راجع ج 15 ص 22 . ( 2 ) في ع : اشتريتك منهم . أي على الالتفات .