القرطبي
107
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ( 112 ) قوله تعالى : ( فاستقم كما أمرت ) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره . وقيل : له والمراد أمته ، قاله السدى . وقيل : " استقم " اطلب الإقامة على الدين من الله واسأله ذلك . فتكون السين سين السؤال ، كما تقول : استغفر الله أطلب الغفران [ منه ] ( 1 ) . والاستقامة الاستمرار في جهة واحدة من غير أخذ في جهة اليمين والشمال ، فاستقم على امتثال أمر الله . وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال : قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك ! قال : " قل آمنت بالله ثم استقم " . وروى الدارمي أبو محمد في مسنده عن عثمان بن حاضر الأزدي قال : دخلت على ابن عباس فقلت أوصني ! فقال : نعم ! عليك بتقوى الله والاستقامة ، اتبع ولا تبتدع . ( ومن تاب معك ) أي استقم أنت وهم ، يريد أصحابه الذين تابوا من الشرك ومن بعده ممن اتبعه من أمته . قال ابن عباس ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد ولا أشق من هذه الآية عليه ، ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له : لقد أسرع إليك الشيب ! فقال : " شيبتني هود وأخواتها " . وقد تقدم في أول السورة . وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا علي السري ( 2 ) يقول : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت : يا رسول الله ! روي عنك أنك قلت : " شيبتني هود " . فقال : " نعم " فقلت له : ما الذي شيبك منها ؟ قصص الأنبياء وهلاك الأمم ! فقال : " لا ولكن قوله : فاستقم كما أمرت " ( 3 ) . ( ولا تطغوا ) نهى عن الطغيان والطغيان مجاوزة الحد ، ومنه " إنا لما طغى الماء " . وقيل : أي لا تتجبروا على أحد . قوله تعالى : ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون ( 113 )
--> ( 1 ) من ا . ( 2 ) في الأصل ( الشتوي ) وصوب عن ( الدر المنثور ) . ( 3 ) راجع ج 18 ص 262 .