القرطبي

352

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ( 54 ) قوله تعالى : ( ولو أن لكل نفس ظلمت ) أي أشركت وكفرت . ( ما في الأرض ) أي ملكا . ( لافتدت به ) أي من عذاب الله ، يعني ولا يقبل منها ، كما قال : " إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به " [ آل عمران : 91 ] وقد تقدم ( 1 ) قوله تعالى : ( وأسروا الندامة ) أي أخفوها ، يعني رؤساءهم ، أي أخفوا ندامتهم عن أتباعهم . ( لما رأوا العذاب ) وهذا قبل الاحراق بالنار فإذا وقعوا في النار ألهتهم النار عن التصنع بدليل قولهم : ( ربنا غلبت علينا شقوتنا ) ( 2 ) . فبين أنهم لا يكتمون ما بهم . وقيل : " أسروا " أظهروا ، والكلمة من الأضداد ، ويدل عليه أن الآخرة ليست دار تجلد وتصبر . وقيل : وجدوا ألم الحسرة في قلوبهم ، لان الندامة لا يمكن إظهارها . قال كثير : فأسررت الندامة يوم نادى * بسرد جمال غاضرة المنادي وذكر المبرد فيه وجها ثالثا : أنه بدت بالندامة أسرة وجوههم ، وهي تكاسير الجبهة ، واحدها سرار . والندامة : الحسرة لوقوع شئ أو فوت شئ ، وأصلها اللزوم ، ومنه النديم لأنه يلازم المجالس . وفلان نادم سادم . والسدم اللهج بالشئ . وندم وتندم ( 3 ) بالشئ أي اهتم به . قال الجوهري : السدم ( بالتحريك ) الندم والحزن ، وقد سدم بالكسر أي اهتم وحزن ورجل نادم سادم ، وندمان سدمان ، وقيل : هو اتباع . وماله هم ولا سدم إلا ذلك . وقيل : الندم مقلوب الدمن ، والدمن اللزوم ، ومنه فلان مدمن الخمر . والدمن : ما اجتمع في الدار وتلبد من الأبوال والأبعار ، سمي به للزومه . والدمنة : الحقد الملازم للصدر ، والجمع دمن . وقد دمنت قلوبهم بالكسر ، يقال : دمنت على فلان أي ضغنت . ( وقضى بينهم بالقسط ) أي بين الرؤساء والسفل بالعدل . ( وهم لا يظلمون ) .

--> ( 1 ) راجع ج 4 ص 131 . ( 2 ) راجع ج 12 ص 153 . ( 3 ) في ع وه‍ : سدم .