القرطبي
293
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
إنهم يعطون الثواب مضاعفا قطعا ، ونحن لا نقطع بالتضعيف في موضع فإنه مبني على مقدار النيات ، وهذا أمر مغيب ، والذي يقطع به أن هناك تضعيفا وربك أعلم بمن يستحقه . قلت : الظاهر من الأحاديث والآي المساواة في الاجر ، منها قوله عليه السلام : ( من دل على خير فله مثل أجر فاعله ) وقوله : ( من توضأ وخرج إلى الصلاة فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها ) . وهو ظاهر قوله تعالى : " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله " [ النساء : 100 ] وبدليل أن النية الصادقة هي أصل الأعمال ، فإذا صحت في فعل طاعة فعجز عنها صاحبها لمانع منع منها فلا بعد في مساواة أجر ذلك العاجز لاجر القادر الفاعل ويزيد عليه ، لقوله عليه السلام : ( نية المؤمن خير من عمله ) . والله أعلم . قوله تعالى : وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ( 122 ) فيه ست مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( وما كان المؤمنون ) وهي أن الجهاد ليس على الأعيان وأنه فرض كفاية كما تقدم ، إذ لو نفر الكل لضاع من وراءهم من العيال ، فليخرج فريق منهم للجهاد وليقم فريق يتفقهون في الدين ويحفظون الحريم ، حتى إذا عاد النافرون أعلمهم المقيمون ما تعلموه من أحكام الشرع ، وما تجدد نزول على النبي صلى الله عليه وسلم . وهذه الآية ناسخة لقوله تعالى : " إلا تنفروا " [ التوبة : 39 ] وللآية التي قبلها ، على قول مجاهد وابن زيد . الثانية - هذه الآية أصل في وجوب طلب العلم ، لان المعنى : وما كان المؤمنون لينفروا كافة والنبي صلى الله عليه وسلم مقيم لا ينفر فيتركوه وحده . " فلولا نفر " بعد ما علموا أن النفير لا يسع جميعهم . " من كل فرقة منهم طائفة " وتبقى بقيتها مع النبي صلى الله