القرطبي
294
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
عليه وسلم ليتحملوا عنه الدين ويتفقهوا ، فإذا رجع النافرون إليهم أخبروهم بما سمعوا وعلموه . وفى هذا إيجاب التفقه في الكتاب والسنة ، وأنه على الكفاية دون الأعيان . ويدل عليه أيضا قوله تعالى : " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " ( 1 ) [ النحل : 43 ] . فدخل في هذا من لا يعلم الكتاب والسنن . الثالثة - قوله تعالى : " فلولا نفر " قال الأخفش : أي فهلا نفر . " من كل فرقة منهم طائفة " الطائفة في اللغة الجماعة ، وقد تقع على أقل من ذلك حتى تبلغ الرجلين ، وللواحد على معنى نفس طائفة . وقد تقدم أن المراد بقوله تعالى : " إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة " ( 2 ) [ التوبة : 66 ] رجل واحد . ولا شك أن المراد هنا جماعة لوجهين ، أحدهما عقلا ، والآخر لغة . أما العقل فلان العلم لا يتحصل بواحد في الغالب ، وأما اللغة فقوله : " ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم " فجاء بضمير الجماعة . قال ابن العربي : والقاضي أبو بكر والشيخ أبو الحسن قبله يرون أن الطائفة هاهنا واحد ، ويعتضدون ( 3 ) فيه بالدليل على وجوب العمل بخبر الواحد ، وهو صحيح لا من جهة أن الطائفة تنطلق على الواحد ولكن من جهة أن خبر الشخص الواحد أو الاشخاص خبر واحد ، وأن مقابله وهو التواتر لا ينحصر . قلت : أنص ما يستدل به على أن الواحد يقال له طائفة قوله تعالى : " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا " ( 4 ) [ الحجرات : 9 ] يعني نفسين . دليله قوله تعالى : " فأصلحوا بين أخويكم " ( 4 ) [ الحجرات : 9 ] فجاء بلفظ التثنية ، والضمير في " اقتتلوا " وإن كان ضمير جماعة فأقل الجماعة اثنان في أحد القولين للعلماء . الرابعة - قوله تعالى : ( ليتفقهوا ) الضمير في " ليتفقهوا ، ولينذروا " للمقيمين مع النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله قتادة ومجاهد . وقال الحسن : هما للفرقة النافرة ، واختاره الطبري . ومعنى " ليتفقهوا في الدين " أي يتبصروا ويتيقنوا بما يريهم الله من الظهور على
--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 108 . ( 2 ) راجع ص 198 من هذا الجزء . ( 3 ) في الأصول : ( ويقضون به على وجوب العمل ) الخ . والتصويب عن ابن العربي . ( 4 ) راجع ج 17 ص 315 ، 322 .