القرطبي
267
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فيه ثمان مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ) قيل : هذا تمثيل ، مثل قوله تعالى : " أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى " ( 1 ) [ البقرة : 16 ] . ونزلت الآية في البيعة الثانية ، وهي بيعة العقبة الكبرى ، وهي التي أناف فيها رجال الأنصار على السبعين ، وكان أصغر هم سنا عقبة بن عمرو ، وذلك أنهم اجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة ، فقال عبد الله بن رواحة للنبي صلى الله عليه وسلم : اشترط لربك ولنفسك ما شئت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم ) . قالوا : فإذا فعلنا ذلك فما لنا ؟ قال : ( الجنة ) قالوا : ربح البيع ، لا نقيل ولا نستقيل ، فنزلت : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " الآية . ثم هي بعد ذلك عامة في كل مجاهد في سبيل الله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة . الثانية - هذه الآية دليل على جواز معاملة السيد مع عبده ، وإن كان الكل للسيد لكن إذا ملكه عامله فيما جعل إليه . وجائز بين السيد وعبده ما لا يجوز بينه وبين غيره ، لان ماله له وله انتزاعه . الثالثة - أصل الشراء بين الخلق أن يعوضوا عما خرج من أيديهم ما كان أنفع لهم أو مثل ما خرج عنهم في النفع ، فاشترى الله سبحانه من العباد إتلاف أنفسهم وأموالهم في طاعته ، وإهلاكها في مرضاته ، وأعطاهم سبحانه الجنة عوضا عنها إذا فعلوا ذلك . وهو عوض عظيم لا يدانيه المعوض ولا يقاس به ، فأجرى ذلك على مجاز ما يتعارفونه في البيع والشراء [ فمن العبد تسليم النفس والمال ، ومن الله الثواب والنوال فسمي هذا شراء ] ( 2 ) . وروى الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن فوق كل بر بر حتى يبذل العبد دمه فإذا فعل ذلك فلا بر فوق ذلك ) . وقال الشاعر [ في معنى البر ] ( 3 ) : الجود بالماء جود فيه مكرمة * والجود بالنفس أقصى غاية الجود
--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 21 . ( 2 ) من ب وج وز وع وك وه وى . ( ) من ع .