القرطبي
253
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فيه عشر مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( الذين اتخذوا مسجدا ) معطوف ، أي ومنهم الذين اتخذوا مسجدا ، عطف جملة على جملة . ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء والخبر محذوف كأنهم ( 1 ) " يعذبون " أو نحوه . ومن قرأ " الذين " بغير واو وهي قراءة المدنيين فهي عنده رفع بالابتداء ، والخبر " لا تقم " التقدير : الذين اتخذوا مسجدا لا تقم فيه أبدا ، أي لا تقم في مسجدهم ، قاله الكسائي . وقال النحاس : يكون خبر الابتداء " لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم " [ التوبة : 110 ] . وقيل : الخبر " يعذبون " كما تقدم . ونزلت الآية فيما روي في أبو عامر الراهب ، لأنه كان خرج إلى قيصر وتنصر ووعدهم قيصر أنه سيأتيهم ، فبنوا مسجد الضرار يرصدون مجيئه فيه ، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم ، وقد تقدمت قصته في الأعراف ( 2 ) وقال أهل التفسير : إن بني عمرو بن عوف اتخذوا مسجد قباء وبعثوا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه ، فحسدهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا : نبني مسجدا ونبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم يأتينا فيصلي لنا كما صلى في مسجد إخواننا ، ويصلي فيه أبو عامر إذا قدم من الشام ، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا : يا رسول الله ، قد بنينا مسجدا لذي الحاجة ، والعلة والليلة المطيرة ، ونحب أن تصلي لنا فيه وتدعو بالبركة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إني على سفر وحال شغل فلو قدمنا لأتيناكم وصلينا لكم فيه ) فلما أنصرف النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك أتوه وقد فرغوا منه وصلوا فيه الجمعة والسبت والأحد ، فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم فنزل عليه القرآن بخبر مسجد الضرار ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشيا قاتل حمزة ، فقال : ( انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ) فخرجوا مسرعين ، وأخرج مالك بن الدخشم من منزله شعلة نار ، ونهضوا فأحرقوا المسجد وهدموه ، وكان الذين بنوه أثني عشر رجلا : خذام بن خالد من بني عبيد بن زيد أحد بني عمرو بن عوف
--> ( 1 ) من ع وه . ( 2 ) راجع ج 7 ص 320 .