القرطبي

226

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فيه ست مسائل : الأولى - قوله تعالى : " ليس على الضعفاء " الآية . أصل في سقوط التكليف عن العاجز ، فكل من عجز عن شئ سقط عنه ، فتارة إلى بدل هو فعل ، وتارة إلى بدل هو غرم ، ولا فرق بين العجز من جهة القوة أو العجز من جهة المال ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " ( 1 ) [ البقرة : 286 ] وقوله : " ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض ( 2 ) حرج " [ النور : 61 ] . وروى أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لقد تركتم بالمدينة ( 3 ) أقواما ما سرتم مسيرا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه ) . قالوا : يا رسول الله ، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة ؟ قال : ( حبسهم العذر ) . فبينت هذه الآية مع ما ذكرنا من نظائرها أنه لا حرج على المعذورين ، وهم قوم عرف عذرهم كأرباب الزمانة والهرم والعمى والعرج ، وأقوام لم يجدوا ما ينفقون ، فقال : ليس على هؤلاء حرج . ( إذا نصحوا لله ورسوله ) إذا عرفوا الحق وأحبوا أولياءه وأبغضوا أعداءه قال العلماء : فعذر الحق سبحانه أصحاب الاعذار ، وما صبرت القلوب ، فخرج ابن أم مكتوم إلى أحد وطلب أن يعطي اللواء فأخذه مصعب بن عمير ، فجاء رجل من الكفار فضرب يده التي فيها اللواء فقطعها ، فأمسكه باليد الأخرى فضرب اليد الأخرى فأمسكه بصدره وقرأ " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل " ( 4 ) [ آل عمران : 144 ] . هذه عزائم القوم . والحق يقول : " ليس على الأعمى حرج " [ النور : 61 ] وهو في الأول . " ولا على الأعرج حرج " [ النور : 61 ] وعمرو بن الجموح من نقباء الأنصار أعرج وهو في أول الجيش . قال له الرسول عليه السلام : ( إن الله قد عذرك ) فقال : والله لأحفرن ( 5 ) بعرجتي هذه في الجنة ، إلى أمثالهم حسب ما تقدم في هذه السورة من ذكرهم رضي الله عنهم . وقال عبد الله بن مسعود : ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى ( 6 ) بين الرجلين حتى يقام في الصف .

--> ( 1 ) راجع ج 3 ص 424 فما بعد . ( 2 ) راجع ج 12 ص 311 فما بعد . ( 3 ) في ه‍ وك وى : بعدكم . ( 4 ) راجع ج 4 ص 221 . ( 5 ) يقال : حفر الطريق إذا أثر فيها بمشيه عليها . ( 6 ) أي يمشى بينهما معتمدا عليهما من ضعفه وتمايله .