القرطبي
227
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الثانية - قوله تعالى : " إذا نصحوا " النصح إخلاص العمل من الغش . ومنه التوبة النصوح . قال نفطويه : نصح الشئ إذا خلص . ونصح له القول أي أخلصه له . وفي صحيح مسلم عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الدين النصيحة ) ثلاثا . قلنا لمن ؟ قال : ( لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " . قال العلماء : النصيحة لله إخلاص الاعتقاد في الوحدانية ، ووصفه بصفات الألوهية ، وتنزيهه عن النقائص والرغبة في محابه والبعد من مساخطه . والنصيحة لرسوله : التصديق بنبوته ، والتزام طاعته في أمره ونهيه ، وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه ، وتوقيره ، ومحبته ومحبة آل بيته ، وتعظيمه وتعظيم سنته ، وإحياؤها بعد موته بالبحث عنها ، والتفقه فيها والذب عنها ونشرها والدعاء إليها ، والتخلق بأخلاقه الكريمة صلى الله عليه وسلم . وكذا النصح لكتاب الله : قراءته والتفقه فيه ، والذب عنه وتعليمه وإكرامه والتخلق به . والنصح لائمة المسلمين : ترك الخروج عليهم ، إرشادهم إلى الحق وتنبيههم فيما أغفلوه من أمور المسلمين ، ولزوم طاعتهم والقيام بواجب حقهم . والنصح للعامة : ترك معاداتهم ، وإرشادهم وحب الصالحين منهم ، والدعاء لجميعهم وإرادة الخير لكافتهم . وفي الحديث الصحيح ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) . الثالثة - قوله تعالى : ( ما على المحسنين من سبيل ) " من سبيل " في موضع رفع اسم " ما " أي من طريق إلى العقوبة . وهذه الآية أصل في رفع العقاب عن كل محسن . ولهذا قال علماؤنا في الذي يقتص من قاطع يده فيفضي ذلك في السراية إلى إتلاف نفسه : إنه لا دية له ( 1 ) ، لأنه محسن في اقتصاصه من المعتدي عليه . وقال أبو حنيفة : تلزمه الدية . وكذلك إذا صال فحل على رجل فقتله في دفعه عن نفسه فلا ضمان عليه ، وبه قال الشافعي . وقال أبو حنيفة : تلزمه لمالكه القيمة . قال ابن العربي : وكذلك القول في مسائل الشريعة كلها .
--> ( 1 ) في ه : عليه .