القرطبي

220

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

سبعين سنة صار عندهم بمنزلة قوله : لا أكلمه أبدا . ومثله في الاغياء قوله تعالى : ( في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا ) ( 1 ) ، وقوله عليه السلام : ( من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا ) . وقالت طائفة : هو تخيير - منهم الحسن وقتادة وعروة - إن شئت استغفر لهم وإن شئت لا تستغفر . ولهذا لما أراد أن يصلى على ابن أبي قال عمر : أتصلي على عدو الله القائل يوم كذا كذا وكذا ؟ . فقال : ( إني خيرت فاخترت ) . قالوا : ثم نسخ هذا لما نزل ( سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ( 2 ) ) . ( ذلك بأنهم كفروا ) أي لا يغفر الله لهم لكفرهم . الخامسة - قوله تعالى : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن تستغفروا للمشركين ) الآية . وهذه الآية نزلت بمكة عند موت أبي طالب ، على ما يأتي بيانه . وهذا يفهم منه النهى عن الاستغفار لمن مات كافرا . وهو متقدم على هذه الآية التي فهم منها التخيير بقوله : ( انما خيرني الله ) وهذا مشكل . فقيل : إن استغفاره لعمه إنما كان مقصوده استغفارا مرجو الإجابة حتى تحصل له المغفرة . وفي هذا الاستغفار استأذن عليه السلام ربه في أن يأذن له فيه لامه فلم يأذن له فيه . وأما الاستغفار للمنافقين الذي خير فيه فهو استغفار لساني لا ينفع وغايته تطييب قلوب بعض الاحياء من قرابات المستغفر له . والله أعلم . السادسة - واختلف في أعطاء النبي صلى الله عليه وسلم قميصه لعبد الله ، فقيل : إنما أعطاه لان عبد الله كان قد أعطي العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم قميصه يوم بدر . وذلك أن العباس لما أسر يوم بدر - على ما تقدم - وسلب ثوبه رآه النبي صلى الله عليه وسلم كذلك فأشفق عليه ، فطلب له قميصا فما وجد له قميص يقادره إلا قميص عبد الله ، لتقاربهما في طول القامة ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم بإعطاء القميص أن يرفع اليد عنه في الدنيا ، حتى لا يلقاه في الآخرة وله عليه يد يكافئه بها ، وقيل : إنما أعطاه القميص إكراما لابنه وإسعافا له في طلبته وتطييبا لقلبه . والأول أصح ، خرجه البخاري عن جابر

--> ( 1 ) راجع ج 18 ص 268 فما بعد . ( 2 ) راجع ج 18 ص 128 .