القرطبي
209
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فيه ثمان مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( ومنهم من عاهد الله ) قال قتادة : هذا رجل من الأنصار قال : لئن رزقني الله شيئا لأؤدين فيه ( 1 ) حقه ولأتصدقن ، فلما آتاه الله ذلك فعل ما نص عليكم ، فاحذروا الكذب فإنه يؤدي إلى الفجور . وروى علي بن يزيد ( 2 ) عن القاسم عن أبي أمامة الباهلي أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري ( فسماه ) قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ادع الله أن يرزقني مالا . فقال عليه السلام ( ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه ) ثم عاود ثانيا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أما ترضي أن تكون مثل نبي الله لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا لسارت ) فقال : والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه . فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتخذ غنما فنمت كما تنمي الدود ، فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ونزل واديا من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ، وترك ما سواهما . ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة ، وهي تنمي حتى ترك الجمعة أيضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا ويح ثعلبة ) ثلاثا . ثم نزل " خذ من أموالهم صدقة " [ التوبة : 103 ] . فبعث صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقة ، وقال لهما : ( مرا بثعلبة وبفلان - رجل من بني سليم - فخذا صدقاتهما ) فأتيا ثعلبة وأقرأه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما هذه إلا أخت ( 3 ) الجزية ! انطلقا حتى تفرغا ثم تعودا . الحديث ، وهو مشهور . وقيل : سبب غناء ثعلبة أنه ورث ابن عم له . قال ابن عبد البر : قيل إن ثعلبة بن حاطب هو الذي نزل فيه " ومنهم من عاهد الله " الآية ، إذ منع الزكاة ، فالله أعلم . وما جاء فيمن شاهد بدرا يعارضه قوله تعالى في الآية : " فأعقبهم نفاقا في قلوبهم " الآية . قلت : وذكر عن ابن عباس في سبب نزول الآية أن حاطب بن أبي بلتعة أبطأ عنه ماله بالشام فحلف في مجلس ( 4 ) من مجالس الأنصار : إن سلم ذلك لأتصدقن منه ولأصلن منه . فلما سلم بخل بذلك فنزلت .
--> ( 1 ) في ع : منه وفي ه : لله حقه . ( 2 ) كذا في ب وج وع وك وفي ا : زيد كلاهما روى عن القاسم . ( 3 ) في ع : ما هذه إلا جزية - ما هذه إلا أخت الجزية . وفي ج : أخية الجزية . ( 4 ) في ج وع : مجلسين .