القرطبي
210
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قلت : وثعلبة بدري أنصاري وممن شهد الله له ورسوله بالايمان ، حسب ما يأتي بيانه في أول الممتحنة ( 1 ) فما روي عنه غير صحيح . قال أبو عمر : ولعل قول من قال في ثعلبة أنه مانع الزكاة الذي نزلت فيه الآية غير صحيح ، والله أعلم . وقال الضحاك : إن الآية نزلت في رجال من المنافقين نبتل بن الحارث وجد بن قيس ومعتب بن قشير . قلت : وهذا أشبه بنزول الآية فيهم ، إلا أن قوله " فأعقبهم نفاقا " يدل على أن الذي عاهد الله لم يكن منافقا من قبل ، إلا أن يكون المعنى : زادهم نفاقا ثبتوا عليه إلى الممات ، وهو قوله تعالى : " إلى يوم يلقونه " على ما يأتي . الثانية - قال علماؤنا : لما قال الله تعالى : " ومنهم من عاهد الله " احتمل أن يكون عاهد الله بلسانه ولم يعتقده بقلبه . واحتمل أن يكون عاهد الله بهما ثم أدركته سوء الخاتمة ، فإن الأعمال بخواتيمها والأيام بعواقبها . و " من " رفع بالابتداء والخبر في المجرور . ولفظ اليمين ورد في الحديث وليس في ظاهر القرآن يمين إلا بمجرد الارتباط والالتزام ، أما إنه في صيغة القسم في المعنى فإن اللام تدل عليه ، وقد أتى بلامين الأولى للقسم والثانية لام الجواب ، وكلاهما للتأكيد . ومنهم من قال : إنهما لا ما القسم ، والأول أظهر ، والله أعلم . الثالثة - العهد والطلاق وكل حكم ينفرد به المرء ولا يفتقر إلى غيره فيه فإنه يلزمه منه ما يلتزمه بقصده وإن لم يلفظ به ، قاله علماؤنا . وقال الشافعي وأبو حنيفة : لا يلزم أحدا حكم إلا بعد أن يلفظ به وهو القول الآخر لعلمائنا . ابن العربي : والدليل على صحة ما ذهبنا إليه ما رواه أشهب عن مالك ، وقد سئل : إذا نوى الرجل الطلاق بقلبه ولم يلفظ به بلسانه فقال : يلزمه ، كما يكون مؤمنا بقلبه ، وكافرا بقلبه . قال ابن العربي : وهذا أصل بديع ، وتحريره أن يقال : عقد لا يفتقر فيه المرء إلى غيره في التزامه فانعقد عليه بنية . أصله الايمان والكفر .
--> ( 1 ) يلاحظ أن الذي سيذكره المؤلف في أول سورة الممتحنة إنما هو حاطب بن أبي بلتعة لا ثعلبة بن حاطب .