القرطبي
179
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
يعطون ليتألفوا على الاسلام ، وكانوا لا يسلمون بالقهر والسيف ، ولكن يسلمون بالعطاء والاحسان . وقيل : هم قوم أسلموا في الظاهر ولم تستيقن قلوبهم ، فيعطون ليتمكن الاسلام في صدورهم . وقيل : هم قوم من عظماء المشركين لهم أتباع يعطون ليتألفوا أتباعهم على الاسلام . قال : وهذه الأقوال متقاربة والقصد بجميعها الاعطاء لمن لا يتمكن إسلامه حقيقة إلا بالعطاء ، فكأنه ضرب من الجهاد . والمشركون ثلاثة أصناف : صنف يرجع بإقامة البرهان . وصنف بالقهر . وصنف بالاحسان . والامام الناظر للمسلمين يستعمل مع كل صنف ما يراه سببا لنجاته وتخليصه من الكفر . وفي صحيح مسلم من حديث أنس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعني للأنصار - : ( فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم ) الحديث . قال ابن إسحاق : أعطاهم يتألفهم ويتألف بهم قومهم . وكانوا أشرافا ، فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير ، وأعطى ابنه مائة بعير ، وأعطى حكيم بن حزام مائة بعير ، وأعطى الحارث ابن هشام مائة بعير ، وأعطى سهيل بن عمرو مائة بعير ، وأعطى حويطب بن عبد العزى مائة بعير ، وأعطى صفوان بن أمية مائة بعير . وكذلك أعطى مالك بن عوف والعلاء بن جارية . قال : فهؤلاء أصحاب المئين . وأعطى رجالا من قريش دون المائة منهم مخرمة بن نوفل الزهري وعمير بن وهب الجمحي ، وهشام بن عمرو العامري . قال ابن إسحاق : فهؤلاء لا أعرف ما أعطاهم . وأعطى سعيد بن يربوع خمسين بعيرا ، وأعطى عباس بن مرداس السلمي أباعر قليلة فسخطها . فقال في ذلك : كانت نهابا تلافيتها * بكري على المهر في الأجرع ( 1 ) وإيقاظي القوم أن يرقدوا * إذا هجع الناس لم أهجع فأصبح نهبي ونهب العبيد * بين عيينة والأقرع ( 2 ) وقد كنت في الحرب ذا تدرإ * فلم أعط شيئا ولم أمنع ( 3 )
--> ( 1 ) الأجرع : المكان الواسع الذي فيه حزونة وخشونة . ( 2 ) العبيد ( مصغر ) : اسمع فرس العباس ابن مرداس . ( 3 ) ذو تدرأ ( بضم التاء ) : أي ذو هجوم لا يتوقى ولا يهاب ففيه قوة على دفع أعدائه .