القرطبي
402
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
روى مسلم عن أبي شماسة المهري قال : حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت يبكي طويلا . الحديث . وفيه : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله " الحديث . قال ابن العربي : هذه لطيفة من الله سبحانه من بها على الخلق ، وذلك أن الكفار يقتحمون الكفر والجرائم ، ويرتكبون المعاصي والمآثم ، فلو كان ذلك يوجب مؤاخذة لهم لما استدركوا أبدا توبة ولا نالتهم مغفرة . فيسر الله تعالى عليهم قبول التوبة عند الإنابة ، وبذل المغفرة بالإسلام ، وهدم جميع ما تقدم ، ليكون ذلك أقرب لدخولهم في الدين ، وأدعى إلى قبولهم لكلمة المسلمين ، ولو علموا أنهم يؤاخذون لما تابوا ولا أسلموا . وفي صحيح مسلم : أن رجلا فيمن كان قبلكم قتل تسعة وتسعين نفسا ثم سأل هل له من توبة فجاء عابدا فسأل هل له من توبة فقال : لا توبة لك فقتله فكمل به مائة ، الحديث . فانظروا إلى قول العابد : لا توبة لك ، فلما علم أنه قد أيئسه قتله ، فعل الآيس من الرحمة . فالتنفير مفسدة للخليفة ، والتيسير مصلحة لهم . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان إذا جاء إليه رجل لم يقتل فسأل : هل لقاتل من توبة ؟ فيقول : لا توبة ، تخويفا وتحذيرا . فإذا جاءه من قتل فسأله : هل لقاتل من توبة ؟ قال له : لك توبة ، تيسيرا وتأليفا . وقد تقدم . الثالثة - قال ابن القاسم وابن وهب عن مالك فيمن طلق في الشرك ثم أسلم : فلا طلاق له . وكذلك من حلف فأسلم فلا حنث عليه . وكذا من وجبت عليه هذه الأشياء ، فذلك مغفور له . فأما من افترى على مسلم ثم أسلم أو سرق ثم أسلم أقيم عليه الحد للفرية والسرقة . ولو زنى وأسلم ، أو اغتصب مسلمة سقط عنه الحد . وروى أشهب عن مالك أنه قال : إنما يعني الله عز وجل ما قد مضى قبل الإسلام ، من مال أو دم أو شئ . قال ابن العربي : وهذا هو الصواب ، لما قدمناه من عموم قوله تعالى : " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " ، وقوله : ( الإسلام يهدم ما قبله ) ، وما بيناه من المعنى من التيسير وعدم التنفير . قلت : أما الكافر الحربي فلا خلاف في إسقاط ما فعله في حال كفره في دار الحرب . وأما إن دخل إلينا بأمان فقذف مسلما فإنه يحد ، وإن سرق قطع . وكذلك الذمي إذا قذف