القرطبي

312

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

بن جبل رضي الله عنه قال : سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب فيتهافت ، يقرءونه لا يجدون له شهوة ولا لذة ، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب ، أعمالهم طمع لا يخالطه خوف ، إن قصروا قالوا سنبلغ ، وإن أساءوا قالوا سيغفر لنا ، إنا لا نشرك بالله شيئا . وقيل : إن الضمير في " يأتهم " ليهود المدينة ، أي وإن يأت يهود يثرب الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم عرض مثله يأخذوه كما أخذه أسلافهم . قوله تعالى : ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله ألا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ) فيه مسألتان . الأولى - قوله تعالى : ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ) يريد التوراة . وهذا تشديد في لزوم قول الحق في الشرع والأحكام ، وألا يميل الحكام بالرشا إلى الباطل . قلت : وهذا الذي لزم هؤلاء وأخذ عليهم به الميثاق في قول الحق ، لازم لنا على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم وكتاب ربنا ، على ما تقدم بيانه في ( النساء ( 1 ) ) . ولا خلاف فيه في جميع الشرائع ، والحمد لله . الثانية - قوله تعالى : ( ودرسوا ما فيه ) أي قرءوه ، وهم قريبو عهد به . وقرأ أبو عبد الرحمن وادرسوا ما فيه فأدغم ( 2 ) التاء في الدال . قال ابن زيد : كان يأتيهم المحق برشوة فيخرجون له كتاب الله فيحكمون له به ، فإذا جاء المبطل أخذوا منه الرشوة وأخرجوا له كتابهم الذي كتبوه بأيديهم وحكموا له . وقال ابن عباس : " ألا يقولوا على الله إلا الحق " وقد قالوا الباطل في غفران ذنوبهم الذي يوجبونه ويقطعون به . وقال ابن زيد : يعني في الأحكام التي يحكمون بها ، كما ذكرنا . وقال بعض العلماء إن معنى " ودرسوا ما فيه " أي محوه بترك العمل به والفهم له ، من قولك : درست الريح الآثار ، إذا محتها . وخط دارس وربع دارس ، إذا أمحى وعفا أثره . وهذا المعنى مواطئ - أي موافق - لقوله

--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 7 فما بعدها . ( 2 ) كذا في الأصول ، والعبارة كما في البحر : أصله تدارسوا ، أي فأدغم .