القرطبي
259
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : قالوا يا موسى إما أن تلقى وإما أن نكون نحن الملقين ( 115 ) قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤا بسحر عظيم ( 116 ) وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون ( 117 ) تأدبوا مع موسى عليه السلام فكان ذلك سبب إيمانهم . و " أن " في موضع نصب عند الكسائي والفراء ، على معنى إما أن تفعل الإلقاء . ومثله قول الشاعر : قالوا الركوب فقلنا تلك عادتنا ( 1 ) قال ألقوا قال الفراء : في الكلام حذف . والمعنى : قال لهم موسى إنكم لن تغلبوا ربكم ولن تبطلوا آياته . وهذا من معجز القرآن الذي لا يأتي مثله في كلام الناس ، ولا يقدرون عليه . يأتي اللفظ اليسير بجمع المعاني الكثيرة . وقيل : هو تهديد . أي ابتدأوا بالإلقاء ، فسترون ما يحل بكم من الافتضاح ، إذا لا يجوز على موسى أن يأمرهم بالسحر . وقيل : أمرهم بذلك ليبين كذبهم وتمويههم . ( فلما ألقوا ) أي الحبال والعصي ( سحروا أعين الناس ) أي خيلوا لهم وقلبوها عن صحة إدراكها ، بما يتخيل من التمويه الذي جرى مجرى الشعوذة وخفة اليد . كما تقدم في البقرة ( 2 ) بيانه . ومعنى ( عظيم ) أي عندهم ، لأنه كان كثيرا وليس بعظيم على الحقيقة . قال ابن زيد : كان الاجتماع بالإسكندرية فبلغ ذنب الحية وراء البحيرة . وقال غيره : وفتحت فاها فجعلت تلقف - أي تلتقم - ما ألقوا من حبالهم وعصيهم . وقيل : كان ما ألقوا حبالا من أدم فيها زئبق فتحركت وقالوا هذه حياة . وقرأ حفص " تلقف " بإسكان اللام والتخفيف . جعله مستقبل لقف يلقف . قال النحاس : ويجوز على هذه القراءة " تلقف " لأنه من لقف . وقرأ الباقون بالتشديد وفتح اللام ، وجعلوه مستقبل تلقف ، فهي تتلقف . يقال : لقفت الشئ وتلقفته إذا أخذته أو بلعته . تلقف وتلقم
--> ( 1 ) هذا صدر بيت وتمامه : أو النزول فإنا معشر نزل . في ب : فقلت تلك . ( 2 ) راجع ج 2 ص 43 .