القرطبي
214
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ) أي جهة اللقاء وهي جهة المقابلة . ولم يأت مصدر على تفعال غير حرفين ( 1 ) : تلقاء وتبيان . والباقي بالفتح ، مثل تسيار وتهمام وتذكار . وأما الاسم بالكسر فيه فكثير ، مثل تقصار وتمثال . قالوا أي قال أصحاب الأعراف . ( ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ) سألوا الله ألا يجعلهم معهم ، وقد علموا أنه لا يجعلهم معهم . فهذا على سبيل التذلل ، كما يقول أهل الجنة : " ربنا أتمم لنا نورنا ( 2 ) " ويقولون : الحمد لله . على سبيل الشكر لله عز وجل . ولهم في ذلك لذة . قوله تعالى : ونادى أصحب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم وما تستكبرون ( 48 ) أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ( 49 ) قوله تعالى : ( ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم ) أي من أهل النار . ( قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون ) أي للدنيا واستكباركم عن الإيمان . ( أهؤلاء الذين ) إشارة إلى قوم من المؤمنين الفقراء ، كبلال وسلمان وخباب وغيرهم . ( أقسمتم ) في الدنيا . ( لا ينالهم الله ) في الآخرة . ( برحمة ) يوبخونهم بذلك . وزيدوا غما وحسرة بأن قالوا لهم ( ادخلوا الجنة ) وقرأ عكرمة " دخلوا الجنة " بغير ألف والدال مفتوحة . وقرأ طلحة بن مصرف " أدخلوا الجنة " بكسر الخاء على أنه فعل ماض ( 3 ) . ودلت الآية على أن أصحاب الأعراف ملائكة أو أنبياء ، فإن قولهم ذلك إخبار عن الله تعالى ومن جعل أصحاب الأعراف المذنبين كان آخر قولهم لأصحاب النار " وما كنتم تستكبرون " ويكون " أهؤلاء الذين " إلى آخر الآية من قول الله تعالى لأهل النار توبيخا لهم على ما كان من قولهم في الدنيا . وروي عن ابن عباس ، والأول عن الحسن . وقيل : هو من كلام الملائكة
--> ( 1 ) الذي في المصباح : قالوا ولم يجئ بالكسر إلا تبيان وتلقاء والتنضال . قلت : في هذه الصيغة خلاف . ( 2 ) راجع ج 18 ص 197 . ( 3 ) فعل ماض مبنى للمجهول كما في أبى حيان .