القرطبي

206

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ) أي لأرواحهم . جاءت بذلك أخبار صحاح ذكرناها في كتاب ( التذكرة ) . منها حديث البراء بن عازب ، وفيه في قبض روح الكافر قال : ويخرج منها ريح كأنتن جيفة وجدت على وجه الأرض ، فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ما هذه الروح الخبيثة . فيقولون فلان بن فلان ، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا ، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون فلا يفتح لهم ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تفتح لهم أبواب السماء " الآية . وقيل : لا تفتح لهم أبواب السماء إذا دعوا ، قاله مجاهد والنخعي . وقيل : المعنى لا تفتح لهم أبواب الجنة ، لأن الجنة في السماء . ودل على ذلك قوله : ( ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ) والجمل لا يلج فلا يدخلونها البتة . وهذا دليل قطعي لا يجوز العفو عنهم . وعلى هذا أجمع المسلمون الذين لا يجوز عليهم الخطأ أن الله سبحانه وتعالى لا يغفر لهم ولا لأحد منهم . قال القاضي أبو بكر بن الطيب : فإن قال قائل كيف يكون هذا إجماعا من الأمة ؟ وقد زعم قوم من المتكلمين بأن مقلدة اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر ليسوا في النار . قيل له : هؤلاء قوم أنكروا أن يكون المقلد كافرا لشبهة دخلت عليهم ، ولم يزعموا أن المقلد كافر وأنه مع ذلك ليس في النار ، والعلم بأن المقلد كافر أو غير كافر طريقه النظر دون التوقيف والخبر . وقرأ حمزة والكسائي : " لا تفتح " بالياء مضمومة على تذكير الجمع . وقرأ الباقون بالتاء على تأنيث الجماعة ، كما قال : " مفتحة لهم الأبواب ( 1 ) " فأنث . ولما كان التأنيث في الأبواب غير حقيقي جاز تذكير الجمع . وهي قراءة ابن عباس بالياء وخفف أبو عمرو وحمزة والكسائي ، على معنى أن التخفيف يكون للقليل والكثير ، والتشديد للتكثير والتكرير مرة بعد مرة لا غير ، والتشديد هنا أولى لأنه على الكثير أدل . والجمل من الإبل . قال الفراء : الجمل زوج الناقة . وكذا قال عبد الله بن مسعود لما سئل عن الجمل فقال : هو زوج الناقة ، كأنه استجهل من سأله عما يعرفه الناس جميعا . والجمع

--> ( 1 ) راجع ج 15 ص 219 .